الحب والجنس

الغربيون يقولون عن العلاقة الجنسية لنعمل حب (make love) وهو نصف الحقيقة؛ فإن يتوج الحب بالاندماج الفسيولوجي الجسدي صحيح، ولكن لو كان الجنس هو الحب، وأنه يحفظ الأسر من الانهيار لما خرب بيت ولما تطلقت امرأة.

وهنا فلسفة عجيبة فأنا أعرف سيدة روت لي بصراحة وشيء من الخجل أن زوجي لو كان معي في حياتي كما كان في فراشي لما تطلقنا، وهي أنجبت منه ثم فارقته فراق غير وامق.

وفلسفة الحب وجدلية الجنس عجيبة فالشباب يتزوجون وينكحون والطبيعة تضحك عليهم من أجل استخراج نسل منهم؟ مع ذلك فأعظم الحب ما أعطى ثمرة الذرية الطيبة.

والطبيعة خلقت هذه الطريقة من التكاثر ومزجت غرائزنا بنار لا تنطفيء من اللهيب الجنسي ولذا تزوج الذكران والإناث. ومازلت أذكر المفكر المصري (المسيري) حين اجتمعنا في مؤتمر فكري في عمان وقلت يومها أن أعظم طاقتين في الوجود في الفيزياء والحياة هما الطاقة النووية والطاقة الجنسية من الأولى تنتهي الحياة ومع الثانية تولد الحياة فهز رأسه بعجب؟

مع هذا فالغراء الجنسي يلصق الذكر بالأنثى بلاصق مخيف، واتصل حفيدي من كندا يتكلم عن صديقه رشيد أنه تعرف على فتاة لبنانية في مونتريال فاختفى في ضباب الحب مع الرفيقة، وهم يتعجبون كيف قطع اتصاله بالعالم ودخل عالم الحب الجديد.

مع ذلك فالجنس هو عسل الحب كما جاء في الحديث (حتى يذوق عسيلتك) عن مشكلة حصلت بين زوجين فبدونه لا يقوم زواج، ومعه قد لا يصمد زواج. وقد يبقى الزواج مخفيا بدون هذا الغراء وهذه المتعة دهرا بدون أن يعلم أحد سوى الزوجين. وقد تنجح العلاقة لتنقلب إلى بغض ولكن مع الحمل والحبل والولادة تتعقد الأمور فيستمر الزواج ولكن في حالة طلاق صامت.

وقد يطول ولكنه معذب فيه مرارة قاتلة. وهناك الكثير من الزوجات محرومات من هذا الغراء، وما يصبرنهن هو وجود الأطفال؛ فتستسلم وتترك أمرها للأقدار، حتى يأتي من يحرك هذه المشاعر النائمة. وفي فيلم (ابن آوى) القاتل المتسلسل الذي كان في طريقه لاغتيال الرئيس الفرنسي (دوجول) كيف التقى عرضا بفرنسية سلمته جسدها بسرعة لاحتراقها الشديد من غياب الزوج والحب الفرنسي معروف؟

وبلغني عن سيدة أنها لا تعرف الجنس مع زوجها منذ 18 سنة، وروى لي عن أخرى ممن يتكلمن بطريقة وأخرى، وليس كل النساء ممن يصرح أن زوجها تركها في هجرة بدون طلاق، فكانت تتحرق للقاء زوجها بدون فائدة. وهي فتنة كبيرة قد تتعرض لها المرأة من عيون ذئاب بشرية كثيرة.

وفي حديث عائشة عن 11 امرأة اجتمعن في جلسة مغلقة روت كل واحدة عن علاقة زوجها بها. وفي فيلم العقل الجميل نرى كيف أثرت أدوية الفصام على العلاقة الجنسية بين الزوجين.

والناس تخجل من التحدث في هذه المواضيع مع أن القرآن تحدث عنها في غاية الرقة والتهذيب في اعتراف صريح لهذه الحقيقة؛ ففي سورة البقرة كانت الإجابة عن أزمة جنسية في طرق ووضعيات الجماع، بعد هجرة الصحابة إلى المدينة، والاجتماع بنساء المدينة، اللواتي يرغبن بكيفية محددة من الجماع؟ فنزل قوله تعالى في آية تتلى إلى يوم الدين (فأتوا حرثكم أنى شئتم) ووضحها الحديث أن يكون في صمام واحد، بدون شذوذ جنسي وإيلاج في الدبر.

والرسول ص كان يأتيه أحدهم فيسأله عن الجماع بدون قذف؟ فيقول: نفعل أنا وتيك ويشير إلى عائشة، بدون حرج ونغتسل، تشريعا للنظافة؛ فهذه قضايا يعيشها كل بالغ فوجب التوضيح. وفي سورة الروم يعتبر الزواج آية مثل شروق الشمس ودورة القمر وقانون الجاذبية فيقول (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا)، من خلال حشد هائل من الآيات من اختلاف اللغات والشعوب والماء والنهر والبحر والرياح والمنام.

وفي آخر سورة الأعراف إشارة لطيفة إلى الوطء فيقول (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به). وفي سورة يوسف قصة كاملة عن حب جامح مدمر في بعض أطرافه.

وفيها إشارة عجيبة للدعوة إلى الجماع على لسان تلك المرأة الشبقة التي فتنت بيوسف فقالت هيت لك؟!! وفي النهاية بعد جمع صويحباتها أعلنت أنها تريده وإلا السجن فحدقت كل العيون الجميلة من إناث الطبقة المخملية إلى نفس الطلب، فهتف يوسف إلى الرب أن ينجيه منهن أجمعين؟ قال رب السجن أحب إلي فكان الحبس مصيره بضع سنين منسيا لحكمة عظيمة وإنقاذ أرواح ملايين من مجاعة تتربص بهم ريب المنون.

بل إن القرآن في قصة لوط يدير معركة التوحيد حول تحرير المجتمع من الشذوذ الجنسي. وخلاصة القول أن هذه القضايا يجب الخوض فيها وبناء ثقافة واضحة نظيفة وتربوية تعليمية، تناسب المرحلة التي يمر فيها الإنسان؛ فلا يعقل أن يتصيد ثقافته من أقنية إباحية تبيع الرقيق الأبيض، أو الكتب الساقطة السخيفة الرذيلة، تروى قصص الشذوذ الجنسي، وأنا أدعو لهذا.

وكنت في مؤتمر سجى في عمان ممن حرك هذا الموضوع، ولكن هجم علي القوم واعتبروني من الفاسقين، أسوة بابن حزم الأندلسي الماجن الأكبر، ولم يكن سوى عالما فقيها وشاعرا أديبا. والسبب هو الجهل ومحيطات الجهل لا حد لها. وأخي الفيلسوف (البليهي) استفدت من مقالة رائعة له عنونها بعنوان مثير ولكن فيه قدر كبير من الحقيقة: تأسيس علم الجهل؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى