الثلاثاء – 24 فبراير 2026 – الساعة 12:59 ص بتوقيت عدن ،،،
العاصفة نيوز/ حافظ الشجيفي
يرسم مشهد الجنوب العربي اليوم صورة بالغة التعقيد، تتداخل فيها الخطوط السياسية بالهواجس التاريخية، وتتصادم على ساحتها استراتيجيات القوى الإقليمية مع تطلعات الجماهير التي صاغت شرعيتها من وهج الميادين لا من مكاتب الدبلوماسية، والحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها بذرائع البراجماتية هي أن ما يجري من محاولات محمومة لتفكيك بنية المجلس الانتقالي الجنوبي، أو حصاره في زاوية الإقصاء والتهميش، يتجاوز في جوهره الصراع على المقاعد أو الحصص، ليصل إلى جوهر الإرادة الشعبية التي رأت في هذا الكيان وعاء لحلمها، وحاملا لمشروعها الوطني الذي تعمد بالدم والدموع عبر عقود من الرفض والمقاومة.
وعندما نتأمل المشهد بعين فاحصة، نجد أن استهداف المجلس ليس مجرد مناورة سياسية تكتيكية، بل هو فعل يمس العصب الحي للقضية الجنوبية برمتها، إذ إن نشأة هذا المجلس لم تكن وليدة صدفة عابرة أو ترتيبات في الغرف المغلقة، وإنما جاءت استجابة لضرورة تاريخية، وتفويض شعبي عارم منحته الجماهير ليكون لسان حالها في لحظة فارقة من عمر الصراع، ومن هنا يصبح النيل من هذا الكيان، أو محاولة استبداله بكيانات هشة، بمثابة محاولة لفرض وصاية قسرية على شعب لا يقبل أن تصاغ أقداره بعيدا عن إرادته الحرة، والواقع الذي تحاول بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية، فرضه على الأرض عبر أدوات محلية، يتصادم بشكل صارخ مع دعوات الحوار التي تطلقها العواصم ذاتها، فكيف يستقيم العقل مع منطق يدعو للحوار بيمينه، بينما يسعى إلى تقويض الطرف الأساسي في هذا الحوار بشماله، وتجريده من عناصر قوته وحضوره.
فالتناقض الأخلاقي والسياسي يبدو جليا عندما تتبنى الرياض دعوات لحوار جنوبي جنوبي في وقت تمارس فيه ضغوطا ميدانية وسياسية تهدف إلى حل المجلس الانتقالي أو إضعافه، وهو ما يضع الشعب الجنوبي أمام مفارقة لا يمكن ابتلاعها، إذ إن الحوار في ظل واقع مفروض بالقوة العسكرية والسياسية الخارجية يفقد معناه وقيمته، ويتحول من وسيلة للوصول إلى توافق وطني إلى أداة لتمرير إملاءات تكرس الضعف والتبعية، وما حدث في حضرموت والمهرة من تحركات استهدفت القوات الجنوبية والوجود المؤسسي للمجلس، لم يكن إلا شرارة أشعلت فتيل الرفض الشعبي لكل ما ينتج عن هذه الترتيبات المفروضة منذ أواخر ديسمبر الماضي، فالشعوب، بطبيعتها وتكوينها السيكولوجي، قد تقبل بأنصاف الحلول وهي في ذروة عنفوانها وقوتها، لأنها تملك حينها ترف المناورة ويكون قبولها ناتج عن قناعة وكبرياء، لكنها لا يمكن أبدا أن تقبل بالحلول ذاتها، ولو اتت بالاستقلال، وهي تشعر بأن إرادتها منكسرة أو أن قراراتها تُصنع تحت سياط الضغط والتركيع.
فالمسألة هنا تتعلق بالكبرياء الوطني قبل أن تتعلق بالتفاصيل السياسية، فالإنسان في الجنوب الذي صمد أمام عواصف التهميش لعقود، يرى في المجلس الانتقالي رمزا لندية مفقودة، وغياب هذا الرمز أو تغييبه القسري بفعل فاعل إقليمي، لن يؤدي إلا إلى تمسك أشد بسقف المطالب الوطنية، ورفض قاطع لأي مخرجات تأتي عبر قنوات شُيدت على أنقاض التمثيل الحقيقي، ولا يمكن لعاصمة قررت التدخل المباشر لفرض واقع هزيل أن تكون هي ذاتها مكانا صالحا لإنتاج حلول عادلة، فالجغرافيا هنا ليست مجرد مكان، بل هي موقف وشاهد، والشعب الجنوبي الذي يراقب تصفية تطلعاته عبر بوابة الإقصاء، يدرك أن القوة التي تحاول كسر إرادته اليوم هي ذاتها التي ترتب مقاعد الجلوس على طاولة التفاوض غدا، مما يجعل من الرفض الشعبي للحوار في ظل هذه الظروف عملا مشروعا بل وواجبا وطنيا وثوريا للدفاع عن الذات وعن مكتسبات نضالية طويلة، إذ إن ما كان يمكن قبوله في ظل وجود المجلس وبقوته، يصبح مستحيلا ومرفوضا جملة وتفصيلا في ظل غيابه أو محاولات استبداله بكيانات بديلة تفتقر إلى الجذور والشرعية الثورية.

