حالة اضطراب كبيرة تعيشها منطقة الشرق الأوسط جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، واعتداءات الأخيرة على دول الخليج العربي من الإمارات إلى البحرين والكويت وقطر والأردن وغيرها.. لكن الاضطراب الحقيقي هو ما تعيشه حكومة اليمن التي جرى اختيارها بحسابات خارج الحدود، في محاولة لتطبيع الأوضاع بعد ضربة عسكرية غير مبررة تعرضت لها القوات الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت والمهرة، وامتدت نيرانها إلى محافظة الضالع شمال غرب العاصمة عدن خلال يناير الماضي.
الحكومة التي جرى اختيارها خارج المحاصصة الحزبية والوطنية أفرغت معنى الشراكة في الحرب على الانقلاب الحوثي من محتواها، وأصبحت تنفذ رغبات سعودية، لتصطدم أمام واقع عصي على التجاوز. لذلك فهي اليوم تخوض معركة “اللا وعي في مواجهة الوعي الجنوبي الجمعي”.
في قصر معاشيق تُقام الأمسيات الرمضانية، يقف رئيس الحكومة اليمنية المعين من قبل دولة جارة، وعلى جانبيه بعض أعضاء حكومته، ممسكاً بالميكروفون، ليتحدث عن أن الوعي هو السبيل الوحيد لإقناع الناس بضرورة التخلي عن المطالبة بتوفير الخدمات، ومعالجة مشاكل الكهرباء، وشفط مياه الصرف الصحي في عدن، ورفع القمامة من الشوارع، ومعالجة الأزمات جذرياً. تبدو هذه الفكرة مخالفة لما يثيره “خطاب اللا وعي” تجاه أزمات نعيشها يومياً؛ فلا كهرباء توفرت، ولا مياه صالحة للشرب وصلت، ولا شُفطت مياه الصرف الصحي، ولا أزيلت القمامة من الشوارع التي تكدست مع ازدياد التسوق واستعداد الناس لعيد الفطر المبارك.
لقاءات “اللا وعي” لا تتجلى في مفردات وشعارات ما ينشر في وسائل الإعلام الحكومية، بل في غياب الإنجاز على الأرض.. فحكومة الأمر الواقع تعمل خارج الواقع الذي فرضه من أتى بها.
وأنت تقرأ ما بين سطور الأخبار الصادرة عن اللقاءات الرمضانية تصاب بالدهشة: هل جاءت هذه الحكومة – وفق مزاعمها – لمعالجة الأزمة، أم لإدارة سردية إعلامية وتأطير مفاهيم ضمن سياسة إعلامية هشة؟ يبدو أن ثمة اعتقاداً سائداً بأنها تستطيع، من خلال الإعلام والصحافة الرقمية والمؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي، إقناع الناس بأن الفشل والفساد نتيجة عوامل خارجية لا يد لها فيها. في حين أن من هندس تشكيل هذه الحكومة قدّم سردية مختلفة تماماً في البداية، حين رفع شعار حماية الأمن القومي للجوار، ثم تحولت الحرب إلى معركة من أجل التنمية والازدهار وإعادة الإعمار. ليتضح لاحقا أن المعركة ليست من أجل توفير الخدمات، بل لإنتاج سردية إعلامية تدافع عن فشل يدار بأدوات خارج الحدود.
قرأت الأخبار كثيراً، وتمعنت في برنامج هذه الحكومة، فلم أجد مشروعا حقيقيا في مواجهة الانقلاب الحوثي أو محاربة التنظيمات الإرهابية أو معالجة الوضع الاقتصادي. كل ما تمتلكه اليوم هو مواجهة الوعي الجنوبي الجمعي بأدوات جنوبية. فالقضية الوطنية الجنوبية ليست سوى مشكلة تحاول الحكومة المفروضة من الخارج مواجهتها بأدوات جنوبية، أي أنها تسعى لتحويل الإعلام الجنوبي من سلطة رقابية إلى شريك تعبوي في مواجهة الشارع الجنوبي.
ولأن الحكومة تعتمد القمع والإرهاب الفكري كأداة ضمن معركة “اللا وعي”، فإن رئيسها يضع شروطاً للشراكة مع الإعلام، لكنه سرعان ما يكشف طبيعة المواجهة عبر تهديد الصحافيين بقوله: “لن تتهاون مع محاولات الإساءة المتعمدة أو نشر الأخبار المضللة”.
وهنا نتساءل كصحافيين: من يحدد ما هو النقد البنّاء وما هو الإساءة المتعمدة؟ هل هناك إطار قانوني واضح، أم مساحة تقديرية مفتوحة؟
ندرك أن الإجابة تميل نحو التضييق على الإعلام. فالحريات الصحافية التي كانت موجودة في الجنوب قبل الأول من يناير الماضي لم تعد كما كانت، وكل من يطرح رأيا مخالفا سيجد نفسه في مواجهة مع حكومة سبق أن وضعت شروطها للكتّاب وحرية إبداء الرأي في القضايا المحلية والوطنية.
هذه الشروط هي نتاج عبء سياسي تعيشه حكومة تحاول مغازلة الناس في عدن، بادعاء السعي لتحقيق التنمية في عاصمة ما تزال توصف بالمؤقتة، وهو ادعاء يتناقض مع الحديث عن رمزية الدولة وثقلها القانوني.
هذه المغازلة اعتراف ضمني بأن عدن لم تتحول بعد إلى نموذج مستقر، وأن الحكومة تحاول تحميلها عبء الفشل المتوقع، دون أن تقدم كشفا واضحا بما أنجزته في ملفات كبرى مثل أزمات الكهرباء المزمنة، وانهيار العملة المحلية، والاحتقان الجنوبي، والفشل الإقليمي في معالجة تداعيات الحرب مع الحوثيين.
أما الحديث المتكرر عن أن القضية الوطنية الجنوبية “عادلة وجوهرية”، فلا يتبعه تحديد لسقف الحل، بل إحالة دائمة إلى حوار مشروط برعاية سعودية. وهو ما يعكس استمرار ارتهان المسار السياسي للدعم الخارجي. فالقضية اليوم يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي، بينما ترفض الحكومة التعاطي معه بجدية، ليس لغياب الاعتراف الشعبي، بل لأن قرارها ليس بيدها، وإنما يندرج ضمن شروط إقليمية تسمح بالحديث عن القضية دون الاعتراف بها أو تقديم حلول واضحة، حتى ضمن سقف ما يسمى بمشروع الوحدة.
اليوم يمكن القول إن حكومة الأمر الواقع تحاول احتواء الخطاب الجنوبي عبر التلويح بالملاحقة القانونية، وتحميله مسؤولية تهيئة الرأي العام لمرحلة تقشف أو إصلاحات صعبة. فإلى أين تمضي هذه الحكومة في خطابها السياسي والإعلامي؟ وكيف تراهن على خطاب “اللا وعي” في مواجهة وعي جمعي جنوبي يطرح حلولا منذ ثلاثة عقود، وينتظر ما الذي يمتلكه الإقليم وأذرعه المحلية من بدائل، بدلا من الهروب نحو التلويح بملاحقة كل من ينتقد حكومة اختيرت وفق حسابات الخارج لا الداخل؟.
لا نريد من هذه الحكومة أن ترفع العلم الجنوبي، ولا نريد أن نسمع من رئيسها الزنداني شائع أنه جنوبي ويهمه مصلحة الجنوب، ولا نريده أن يأتي بمصطلحات فضفاضة مثل “اليمن للجميع”، فاليمن لم يكن يوما إلا لمجموعة من القوى السياسية والقبلية والدينية والمذهبية، ولم يكن وطنا للجميع. وإذا كان المقصود بـ”الوطن” هو الجنوب، فهو أيضا لم يكن وطنا للجميع، بل كان حكرا على جماعة افتعلت المشاكل والأزمات مع الإقليم، شائع الزنداني كان من ضمنها، فهو اليوم يستحق المحاسبة، لا أن يحاسب الجميع على أنهم يرفضون تبعية الاحتلال الجديد.
نعم.. شائع الزنداني واحد من تلك الشخصيات التي كانت تحارب الإقليم بشعارات متطرفة، كما تحارب الجنوب اليوم بالشعارات ذاتها.. فالذي كان يرى السعودية “عدوا للجنوب” ليس هذا الجيل الذي يدفع اليوم ثمن مراهقتكم السياسية السابقة.
الجنوب الذي كانت السعودية – بحسب خطابكم السابق – تقف ضده، تقولون لنا اليوم إن الحلول يجب أن تمر عبر الرياض، لكن الزنداني لم يوضح لنا نوع هذا الحل ولا شكله ولا مضمونه.. فالذي يخدم الجنوب اليوم هو أن تقوم حكومة فرض الواقع بعملها في خدمة المجتمع، دون الخوض في القضايا السياسية التي – كما يقول الزنداني نفسه – أصبحت في يد السعوديين.
وجود نحو مليوني يمني في السعودية لا يعني أن الجنوب ملزم بالتنازل عن أهدافه الوطنية، ولا ينبغي ابتزازه بورقة العمالة اليمنية التي تعمل بأجور متواضعة هناك. كما أن الحديث عن رعاية سعودية للحوار الجنوبي للوصول إلى أي خيار يريده الجنوبيون يطرح سؤالا مشروعا: هل يعقل أن دولة بحجم السعودية – كما يقال – لا تعرف ماذا يريد الجنوبيون؟، هذا فشل في سياستها الخارجية؟، وعليها أن تغيرها تجاه الجنوب، لا في الشارع الجنوبي الذي يريد الزنداني شائع من الإعلام والمنصات الرقمية أن تتغير قناعات الناس لأجل السعودية.

