الأربعاء – 11 مارس 2026 – الساعة 04:23 ص بتوقيت عدن ،،،



العاصفة نيوز/ حافظ الشجيفي

تتراكم في ذاكرة الأمم لحظات فارقة تتمايز فيها معادن الرجال وتنكشف فيها الهوة السحيقة بين من يحملون الوطن عقيدة تسكن الوجدان وبين من يتخذونه وسيلة للمقايضة في ردهات القصور والفنادق الوثيرة، فما جرى في مطلع شهر يناير المنصرم لم يكن مجرد واقعة عسكرية طارئة تمثلت في ضربات وجهتها المملكة العربية السعودية للقوات المسلحة الجنوبية التي كانت قد فرغت لتوها من مهمة مقدسة في تطهير أرض المهرة وحضرموت من بقايا الاحتلالي اليمني الثقيل، بل كان الأمر يتجاوز حدود المناورة الميدانية ليدخل في طور الانكشاف السياسي المروع، حيث اختار القائد عيدروس الزبيدي وفدا قياديا ضخما يربو على ستين عضوا من من الصف الأول في المجلس الانتقالي الجنوبي ليمثلوا قضية شعب في حوار دعت إليه الرياض، وإذا باليقين الوطني يصطدم ببيان صدر على لسان الأمين العام للمجلس بعد يومين أو ثلاثة من الوصول للرياض لم يكن لينتظره أحد في أكثر الكوابيس سريالية، إذ تضمن إعلانا بحل المجلس الانتقالي الجنوبي برمته في خطوة سياسية انتحارية لم يسجل لها التاريخ المعاصر أو القديم مثيلا في أي بلد، متجاوزة في فجاجتها كل القوانين واللوائح والأدبيات المنظمة للحركات الوطنية بل وحتى القواعد البديهية التي تدار بها الجمعيات الخيرية، وهو فعل يصيب الوجدان بالدوار ويبعث في النفس مشاعر التقيؤ والاشمئزاز من هول الجرم الذي لا يجروء حتى من المرتزقة عبر العصور على الإقدام عليه بهذا الوضوح الفاضح، متسائلين بمرارة عن أي مسوغ أخلاقي أو سياسي طاوعت به تلك الوفود أنفسها لارتكاب هذه الخطيئة الكبرى التي تضرب في صميم الحق الجنوبي وتغتال نضالات عقود، وحينما استنفرت أدوات التبرير في الداخل طاقتها لمحاولة رتق هذا الفتق الواسع بالادعاء بأن الوفد قد سقط تحت إغراءات المال الوفير والوعود السعودية البراقة، أو القول بأنهم كانوا في وضع الأسر والتهديد الذي لم يترك لهم خيارا، فإن هذه الحجج تبدو في جوهرها أقبح من الفعل ذاته، ذلك أن أصحاب القضايا المصيرية لا يضعون مبادئهم في موازين المساومة مهما غلت الأثمان أو اشتدت الضغوط، فالمناضل الحقيقي هو من يصهر حياته في سبيل قضيته ولا ينحني أمام العواصف مهما بلغت شدتها، فإذا كان المواطن العادي مطالبا بالثبات فإن القادة هم القدوة حيث لا يصلون إلى مواقع المسؤولية الثورية إلا ليكونوا مشاريع شهادة تفتدي التراب وتصون العهد، ولنا في التاريخ شواهد تزلزل الأرض تحت أقدام المتخاذلين وتكشف ضآلة ما أقدم عليه هؤلاء، فنتذكر الوفد الفيتنامي الذي ذهب إلى باريس ولم تهزه ترسانة القوة الأمريكية الجبارة ولا ضغوط العواصم، حيث كان الوفد الفيتنامي يقابل إغراءات الرفاهية والاعتراف الدولي المشروط ببرود ثوري مذهل، متمسكا بحق شعبه في السيادة الكاملة، ولم تثنهم التهديدات بمحو هانوي من الخارطة عن قول لا في وجه الجبروت، وكذلك فعل الوفد الفلبيني في نزاعه المرير مع ماليزيا، حيث وقف المفاوضون الفلبينيون بصلابة الجبال أمام كل محاولات الاحتواء بالمال أو الضغوط السياسية الإقليمية، وآثروا العودة بخفي حنين على أن يعودوا بوثيقة تنتقص من سيادة جزرهم أو كرامة شعبهم، ونستحضر برهبة روح نيلسون مانديلا الذي سطر في زنزانته أروع ملحمة لرفض الإغراءات، فبينما كان نظام الفصل العنصري يعرض عليه حريته الشخصية والقصور والجاه مقابل تنازل بسيط عن جوهر القضية، كان رده يخرج من خلف القضبان كزئير الأسد بأن حريته لا معنى لها في وطن مكبل، وظل سبعة وعشرين عاما يرفض التهديد بالتصفية الجسدية أو الإغراء بالحياة الرغيدة ليثبت أن القائد هو من يصنع من أسره منصة لعزة شعبه، وكذلك المهاتما غاندي الذي كسر غرور الإمبراطورية البريطانية العظمى بقطعة قماش وإرادة صلبة، فلم تجد معه نفعا سجون لندن ولا تهديد جيوشها، بل كان يزداد قوة كلما زادوا في التنكيل به، رافضا كل الحلول الوسط التي ترهن مستقبل الهند للإرادة الأجنبية، وصولا إلى أسد الصحراء عمر المختار الذي وقف أمام جنرالات إيطاليا وهم يعرضون عليه الراتب والمقام والجاه مقابل توقيف المقاومة، فكان رده بكلماته التي حفرت في ذاكرة الزمان بأننا لن نستسلم ننتصر أو نموت، وسار إلى المشنقة بابتسامة الواثق ولم يرتعد أمام بريق السيوف ولا عتمة السجون، هؤلاء هم الرجال الذين يكتبون التاريخ بدمائهم لا بمداد التنازلات المخزية، إذ لا يمكن لمناضل حقيقي أن يقبل بالحياة ثمنا لتدمير إرادة شعبه وتضحيات شهدائه إلا إذا كان قد ارتضى لنفسه دور المرتزق، فدماء هؤلاء القادة وأرواحهم ليست بأغلى من دماء الشهداء الذين رووا ثرى الجنوب بحثا عن الاستقلال، والمؤسف حقا أن المملكة العربية السعودية بكل ثقلها لم تكن تملك القدرة على إرغامهم على حل كيانهم لو لم تجد فيهم استعدادا مسبقا للتفريط في كل شي مقابل حفنة من المصالح الشخصية التي أعمتهم عن جلال القضية، فالمكانة القيادية تقتضي حماية المؤسسة لا هدمها عند أول منعطف، لذا فإننا نترك للشعب الجنوبي وحده حق التصنيف والمحاسبة وإصدار الحكم الذي يليق بهذا الخذلان الوطني الذي لا يغتفر، مع التأكيد على أن مجرد التفكير في عودة هذه الوجوه لتمثيل المشهد أو العمل تحت مظلة المجلس مرة أخرى هو جريمة مضاعفة بحق الوطن ودماء الأبطال، فمن يفرط في الوجود السياسي لكيانه في لحظة وهن مهما كانت المبررات والحجج لا يؤتمن على مصير شعب، والساحة التي رويت بدماء المخلصين لا تتسع لمن استبدلوا بصلابة المبادئ ليونة الموائد، تاركين خلفهم إرثا من التساؤلات التي لن تجد إجابة إلا في صفحات العار التي ستلاحق كل من هان عليه وطنه فصار عند غيره أهون.

شاركها.