في خضم صراع عسكري يهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، تجد دول الخليج العربي نفسها تسير على حبل مشدود بين نارين؛ حليف أمريكي يمارس ضغوطا غير مسبوقة لجرها إلى أتون المواجهة، وجار إيراني محاصر يصدّر أزمته فعليا عبر توجيه وابل من الصواريخ والمسيرات نحو شرايين الطاقة والبنية التحتية الخليجية.
وأمام هذا المشهد المعقد، تبرز تساؤلات جوهرية: كيف توازن العواصم الخليجية بين حماية مشاريعها الاقتصادية الطموحة وبين التزاماتها الأمنية التاريخية؟ ولماذا اختارت هذه الدول التمسك بـ”ضبط النفس” بدلا من الانخراط المباشر، رغم استهداف طهران الفعلي لأمنها القومي وتجاوزها لخطوط حمراء خطيرة؟
كابوس البنية التحتية
وفي حين تتعرض دول الخليج لضربات إيرانية مباشرة، فإنها تتخذ موقفا دفاعيا متشددا في محاولة لمنع تحول الحرب الأمريكية الإسرائيلية إلى صراع داخلي يعصف بالمنطقة.
ولطالما نُظر إلى الحلفاء الخليجيين للولايات المتحدة كملاذات آمنة، لكن امتداد الحرب الحالية واستهداف إيران القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة أربك هذه الحسابات.
وسارعت عواصم الخليج لإصدار بيانات تؤكد عدم مشاركتها في العمليات ضد إيران، مشددة على عدم استخدام أراضيها كقواعد انطلاق للهجمات.
وتصف آنا جاكوبس المحللة الأمنية لشؤون الخليج، الوضع لوكالة “فرانس برس” قائلة: “إنه يُشكّل تحديا لاقتصاداتهم، ومجتمعاتهم، وبنيتهم التحتية الحيوية، وأنظمتهم الدفاعية”.
وأشارت جاكوبس إلى حادثة البحرين مؤخرا، حيث ألحقت مسيّرة إيرانية أضرارا بمحطة تحلية مياه أساسية في البلاد، مؤكدة أن موقف الخليج لا يزال دفاعيا لأن هذا السيناريو “يبقى كابوسهم”.
رفض الانجرار للصراع
على أرض الواقع، تُترج المخاوف الخليجية إلى مواقف سياسية صارمة؛ ففي الأسبوع الماضي، اتهم رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إيران بجرّ جيرانها الخليجيين إلى “حرب ليست حربهم”.
وفي الوقت نفسه، نأت الإمارات بنفسها عن المواجهة مؤكدة عدم مشاركتها في أي هجوم، وهو ما لخصه سفيرها لدى الأمم المتحدة في جنيف جمال المشرف، بقوله: “لا تسعى الإمارات إلى الانجرار إلى صراع أو تصعيد”.
وتوضح جاكوبس، أنه رغم تجاوز طهران لخطوط حمراء، فإن دول الخليج ستسعى للبقاء خارج هذه الحرب قدر الإمكان.
ثمن المشاركة الهجومية
يرى المحللون أن الدول الخليجية تراهن جماعيا على النأي بالنفس؛ إذ تدرك أن تكلفة التدخل المباشر ستكون أعلى بكثير من تكلفة “ضبط النفس”.
ويلخص أندرياس كريج خبير الأمن في “كلية كينجز كوليدج لندن”، هذا النهج بـ”ضبط النفس والمرونة”.
ويؤكد كريج أن الدول الخليجية التي تستضيف قواعد أمريكية، تدرك أن المشاركة الهجومية العلنية في حرب تقودها إسرائيل ستمنحها ميزة عسكرية محدودة، لكنها ستكلفها “ثمنا سياسيا واقتصاديا باهظا”.
ووفقا لـ كريج، يتعاظم هذا الثمن مع إدراك الرياض وأبوظبي أن استهداف بنيتهما التحتية يعرض مشاريع التنويع الاقتصادي وجذب السياح ورؤوس الأموال للخطر الشديد.
إعادة تقييم الشراكة
يختبر الصراع الحالي البنية الأمنية التاريخية التي ربطت الخليج بواشنطن؛ فالعلاقة مع السعودية بصفتها قوة إقليمية مؤثرة، تأسست على مبدأ “النفط مقابل الأمن”، غير أن الغارات الجوية الأخيرة أبرزت محدودية هذه الشراكة، مما أدى لتزايد الاستياء المحلي، وهو ما عبر عنه الملياردير الإماراتي خلف الحبتور في منشورات حُذفت لاحقا، اتهم فيها واشنطن بجر المنطقة للحرب.
ورغم ذلك، تُصعّد واشنطن ضغوطها؛ إذ انتقد السيناتور ليندسي جراهام المعروف بمواقفه المتشددة وحليف الرئيس دونالد ترامب، السعودية علنا.
وقال جراهام: “حسب علمي، ترفض المملكة استخدام جيشها الكفؤ في إطار جهودها لإنهاء النظام الإيراني.. نأمل أن يتغير هذا الوضع قريبا، وإلا ستكون هناك عواقب وخيمة”.
لكن الرياض، بصفتها قائدة العالم السني ومستضيفة أقدس المواقع الإسلامية، ترفض الانخراط في قصف دولة إسلامية ضمن حملة عسكرية “إسرائيلية”.
مستقبل العلاقات والبدائل
يؤكد أندرياس كريج، أن الشراكة الأمنية الأمريكية تخضع حاليا لـ”إعادة تقييم” لكنها لم تُهمل، مشيرا إلى أن المسؤولين الخليجيين يرون أن الشراكة مع الولايات المتحدة لا غنى عنها، ولكنهم باتوا يطالبون بأن تكون “مشروطة ماديا” وبقيمة ملموسة أكبر.
ويتجلى ذلك، في تصريحات وزير الخارجية العماني بدر البوسعيد، إذ حذّر صراحة من أن إيران ليست الهدف الوحيد من العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلي، بل هي خطة لإعادة تشكيل المنطقة.
لم يتوقف تحذير البوسعيد عند ذلك، لكنه دعا دول الخليج إلى “إعادة النظر” في عقيدتها الدفاعية، مؤكدا وجود نقاش متزايد حول مدى فعالية الترتيبات الأمنية القائمة.
وانتقد البوسعيدي، مراهنة بعض “الفاعلين الإقليميين” على التحالف مع الولايات المتحدة.
مع ذلك، يوضح كريج أن خيارات البدائل محدودة، إذ لا تُرى روسيا أو الصين كبديل حقيقي عن المظلة الأمنية الأمريكية.
ورغم ذلك، تنوه جاكوبس إلى أنه في مرحلة ما بعد الحرب: “ستتذكر دول الخليج كل ما حدث.. سيتذكرون كيف تصرفت إيران وكيف ردت، لكنهم سيتذكرون أيضا كيف وضعتهم الولايات المتحدة في موقف لا يُحسدون عليه”.

