تحل على شعب الجنوب الذكرى الحادية عشرة لتحرير العاصمة عدن من ميليشيا الحوثي الإرهابية، وهي ذكرى مفصلية في تاريخ الجنوب الحديث، تستحضر واحدة من أعظم الملاحم الوطنية التي سطرها أبناء الجنوب بدمائهم وتضحياتهم دفاعاً عن أرضهم وهويتهم.

وتبقى هذه المناسبة محطة تاريخية خالدة تتناقلها الأجيال، لما جسدته من إرادة صلبة وعزيمة لا تنكسر لشعب انتفض في وجه مشروع الغزو الحوثي، ليصنع واحدة من أبرز صفحات الانتصار في تاريخ المنطقة.

*ملحمة التحرير و إرادة الجنوبيين

في مثل هذه الأيام قبل أحد عشر عاماً، تحولت العاصمة عدن إلى ساحة مواجهة مصيرية بين أبناء الجنوب وقوات ميليشيا الحوثي التي حاولت فرض سيطرتها على المدينة، غير أن إرادة الجنوبيين كانت أقوى من كل التحديات.
كما توحدت صفوف المقاومة الجنوبية من مختلف محافظات الجنوب، وتدفقت قوافل المقاتلين للدفاع عن العاصمة الجنوبية، في معركة شرسة انتهت بطرد الميليشيات الحوثية وتحرير المدينة بالكامل.
وسجل أبناء عدن وقوات المقاومة الجنوبية بطولات نادرة، حيث امتزجت دماء الشهداء بتراب المدينة لتصنع ملحمة تحرير أصبحت اليوم رمزاً للصمود والتضحية، ودليلاً على قدرة أبناء الجنوب على الدفاع عن أرضهم حين تتعرض للتهديد.

*دعم التحالف.. ودور الإمارات في معركة التحرير

شكل الدعم والإسناد الذي قدمته قوات التحالف العربي، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، عاملاً مهماً في معركة تحرير عدن.

ووقفت الإمارات إلى جانب أبناء الجنوب وقدمت دعماً عسكرياً وإنسانياً واسعاً، أسهم في ترجيح كفة المعركة لصالح المقاومة الجنوبية، حتى تحقق النصر بطرد ميليشيا الحوثي من العاصمة الجنوبية.

وهذا الدعم أسهم في تعزيز قدرات المقاومة الجنوبية في تلك المرحلة الحساسة، وساعد في تثبيت الأمن والاستقرار بعد تحرير المدينة.

*من التحرير إلى بناء المؤسسات الجنوبية

لم يتوقف تأثير انتصار عدن عند حدود تحرير العاصمة فحسب، بل شكل نقطة تحول مفصلية في مسار القضية الجنوبية، حيث مهد الطريق لمرحلة جديدة من العمل السياسي والعسكري المنظم.

وبعد هذا الانتصار، شهد الجنوب تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، ليكون الممثل السياسي لقضية شعب الجنوب، والحامل لمشروع استعادة الدولة الجنوبية.

كما أسهمت هذه المرحلة في تأسيس القوات المسلحة والأمن الجنوبية، التي أصبحت اليوم أحد أبرز ركائز الاستقرار في الجنوب، بعد أن لعبت دوراً محورياً في مكافحة الإرهاب والتصدي للتحديات الأمنية المختلفة.

*مكتسبات تحققت بدماء الشهداء

ووفق تأكيد القيادات والناشطين الجنوبيين أن ما تحقق من مكتسبات سياسية وعسكرية لم يكن منحة من أي طرف، بل جاء نتيجة لتضحيات جسيمة قدمها أبناء الجنوب في ميادين القتال.
فدماء الشهداء والجرحى، إلى جانب صمود المقاتلين في جبهات القتال، كانت الأساس الذي بنيت عليه هذه المنجزات، وهو ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية وطنية مشتركة تقع على عاتق كل أبناء الجنوب.

*عدن أفشلت المشروع الإيراني

تحمل ذكرى تحرير عدن أيضاً دلالات سياسية مهمة، خصوصاً في ظل الصراع الإقليمي الدائر في المنطقة، حيث يرى كثير من المراقبين أن سقوط عدن بيد ميليشيا الحوثي كان سيمنح المشروع الإيراني موطئ قدم استراتيجياً في جنوب الجزيرة العربية.

غير أن صمود أبناء الجنوب وإصرارهم على تحرير العاصمة حال دون تحقق هذا السيناريو، لتبقى عدن المدينة العربية التي تحطمت عند أسوارها أطماع المشروع الإيراني.

وكونها ميزان التحرير لعبت القوات المسلحة الجنوبية لاحقاً دوراً محورياً في مواجهة التحديات الأمنية ومكافحة التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي عزز مكانة الجنوب كقوة فاعلة في معادلة الأمن والاستقرار في المنطقة.

*حاضنة سياسية للمكتسبات

وفي خضم التحولات التي أعقبت تحرير العاصمة عدن، برز المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي كحاضنة سياسية للمكتسبات التي تحققت، حيث تبنى الدفاع عن القضية الجنوبية والعمل على تمثيلها في المحافل الإقليمية والدولية.

ويرى سياسيون جنوبيون أن هذه المؤسسة السياسية لعبت دوراً مهماً في حماية المنجزات التي تحققت منذ عام 2015، وفي توحيد الجهود الجنوبية نحو تحقيق تطلعات أبناء الجنوب في استعادة دولتهم.

*الحفاظ على المكتسبات

وفي ظل المتغيرات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، يؤكد كثير من القيادات الجنوبية أن المرحلة الراهنة تتطلب تعزيز وحدة الصف الجنوبي والحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
كما يشددون على أن الحفاظ على هذه المنجزات مسؤولية جماعية، وأن من يسعى للمساومة عليها أو التفريط بها إنما يضع نفسه خارج مسار القضية الجنوبية وتضحيات أبنائها.

*ذكرى تتجدد فيها العهود

ومع حلول الذكرى الحادية عشرة لتحرير العاصمة عدن، يستحضر أبناء الجنوب تضحيات الشهداء والجرحى الذين صنعوا هذا الانتصار، مؤكدين أن تلك الملحمة ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، وعنواناً لإرادة شعب اختار طريق الحرية والنضال دفاعاً عن أرضه وكرامته.

وتبقى العاصمة عدن، بما تمثله من رمزية وطنية وتاريخية، شاهداً على قدرة أبناء الجنوب على صناعة النصر حين تتوحد الإرادة، وعلى أن التضحيات التي قدمت من أجلها ستظل حاضرة في وجدان كل جنوبي.

شاركها.