يحلّ عيد الفطر المبارك كل عام حاملاً معه معاني الفرح والصفاء بعد شهرٍ كاملٍ من الصيام والعبادة، حيث تتجدد في النفوس مشاعر المحبة والتسامح، وتتزين المدن والقرى بأجواءٍ روحانية تعبق بعبق الإيمان. وفي الجنوب، يشكل العيد مناسبةً اجتماعية ووطنية ذات طابع خاص، إذ يجتمع الناس حول قيم التآخي والتراحم، وتعلو أصوات التهاني في الأزقة والبيوت، بينما تمتلئ الساحات بالابتسامات التي تعكس عمق الترابط المجتمعي.
غير أن عيد الفطر هذا العام يأتي بطعمٍ مختلف بالنسبة لكثير من أبناء الجنوب، إذ يحلّ في ظل غياب الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عن أرض الوطن. وهو غيابٌ يترك أثره الإنساني والوجداني في نفوس المواطنين الذين اعتادوا حضوره بينهم في مثل هذه المناسبات.
وبينما يستعد الناس لاستقبال العيد بما يحمله من طقوسٍ جميلة، يبقى شعورٌ خفي يرافق هذه الاستعدادات؛ شعورٌ بأن للعيد بهجةً أكبر حين يكون القائد بين أبناء شعبه، يشاركهم أفراحهم ويبادلهم التهاني في لحظاتٍ تعكس روح القرب بين القيادة والشعب.

غياب القائد.. حضورٌ في وجدان الشعب

على الرغم من البعد الجغرافي الذي يفرضه الظرف السياسي، إلا أن حضور الرئيس القائد عيدروس الزبيدي يبقى متجذرًا في وجدان أبناء الجنوب. فقد أصبح بالنسبة لكثيرين رمزًا لمرحلةٍ مفصلية من تاريخ قضية الجنوب، وصوتًا سياسيًا يعبر عن تطلعات شعبٍ يتطلع إلى مستقبلٍ يحقق طموحاته الوطنية.
وفي المجالس الشعبية والأسواق والمنتديات الاجتماعية، يتكرر الحديث عن هذا الغياب المؤقت، حيث يرى كثير من المواطنين أن وجود الزبيدي بين شعبه في مثل هذه المناسبات كان دائمًا يحمل دلالات معنوية عميقة، تتجاوز حدود البروتوكول السياسي لتصل إلى مستوى العلاقة الإنسانية بين القيادة والشعب.
ويقول بعض المواطنين إن العيد سيبقى عيدًا بما يحمله من قيمٍ دينية واجتماعية عظيمة، لكن بهجته هذا العام تبدو ناقصة في ظل غياب القيادة التي اعتاد الناس رؤيتها بينهم في لحظات الفرح والمناسبات الوطنية.
ومع ذلك، يؤكد كثيرون أن غياب القائد لا يعني غياب حضوره الحقيقي، فالقضية التي يحملها ما تزال حاضرة في وجدان الجنوبيين، كما أن نشاطه السياسي والدبلوماسي خارج البلاد يبعث برسائل طمأنينة إلى الشارع الجنوبي بأن العمل من أجل قضية شعب الجنوب مستمر على مختلف المستويات.

-طقوس العيد في مدن الجنوب

في مدن الجنوب المختلفة، تبدأ مظاهر العيد قبل أيامٍ من حلوله، حيث تشهد الأسواق حركةً نشطة مع إقبال الناس على شراء ملابس العيد للأطفال، وتجهيز احتياجات البيوت من الحلويات والمأكولات التقليدية.
وفي العاصمة عدن، تتزين الشوارع والمحال التجارية بالأضواء واللافتات، بينما تمتلئ الأسواق الشعبية بالحركة والحيوية، في مشهد يعكس روح الحياة التي تميز هذه المدينة الساحلية.
أما في المكلا، فتأخذ أجواء العيد طابعًا خاصًا يمتزج فيه عبق البحر بفرحة الأهالي الذين يحرصون على إحياء التقاليد الاجتماعية التي توارثوها عبر الأجيال.
وفي الضالع وأبين وشبوة، تتكرر المشاهد نفسها؛ حيث تتزين البيوت، ويتبادل الناس الزيارات، بينما يملأ الأطفال الأزقة بأصوات الضحك والفرح وهم يرتدون ملابسهم الجديدة.
ومع فجر يوم العيد، تتجه الجموع إلى المساجد والساحات لأداء صلاة العيد، حيث تتعالى تكبيرات العيد في مشهدٍ يفيض بالسكينة والإيمان، قبل أن يبدأ الناس تبادل التهاني والزيارات العائلية.

-بين الفرح والحنين مشاعر متداخلة

ورغم كل هذه الأجواء الاحتفالية، يبقى هناك شعورٌ إنساني يتردد في كثير من الأحاديث اليومية بين أبناء الجنوب، وهو الحنين إلى رؤية قيادتهم بينهم في مثل هذه اللحظات.
فالكثير من المواطنين يرون أن حضور القيادة بين الشعب في المناسبات الدينية والاجتماعية يحمل رسالة معنوية مهمة، تعزز الشعور بالوحدة الوطنية وتؤكد أن القيادة تعيش هموم الناس وتشاركهم أفراحهم.
وفي هذا السياق، يعبّر البعض عن أن العيد هذا العام يحمل فرحتين متداخلتين؛ فرحة العيد الدينية التي لا يمكن أن تغيب، وفرحة الأمل التي تتعلق بآمال الجنوب ومستقبله السياسي.

-الغياب الذي يحمل بشائر الأمل

رغم مشاعر الحنين التي يتركها غياب الرئيس الزبيدي، إلا أن قطاعًا واسعًا من أبناء الجنوب ينظر إلى هذا الغياب من زاويةٍ مختلفة، إذ يرون فيه مؤشرًا على تحركات سياسية ودبلوماسية قد تحمل في طياتها أخبارًا سارة لقضية شعب الجنوب.
فالكثير من المواطنين يعتقدون أن تحركات القيادة خارج البلاد تهدف إلى تعزيز حضور قضية الجنوب في المحافل الإقليمية، والدولية، والعمل على إيصال صوت

شعب الجنوب إلى المجتمع الدولي.
وفي هذا الإطار، يتحدث البعض عن أن هذه المرحلة قد تشهد تطورات مهمة على صعيد قضية الجنوب، خاصة في ظل المتغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة.
وبين التفاؤل والترقب، يبقى الأمل حاضرًا في قلوب الجنوبيين بأن تحمل الأيام القادمة خطواتٍ جديدة تقربهم من تحقيق تطلعاتهم الوطنية.

-وحدة الشعب مصدر القوة الحقيقية

ومن أبرز السمات التي تميز المجتمع الجنوبي في مثل هذه المناسبات قدرته على تحويل الأعياد إلى مساحة لتعزيز التلاحم الاجتماعي والوحدة الوطنية.
ففي المجالس العائلية واللقاءات الاجتماعية، تتجدد مشاعر التضامن بين الناس، ويحرص الجميع على تبادل التهاني وإحياء تقاليد العيد التي تعكس عمق الترابط بين أبناء المجتمع.
ويؤكد كثير من المراقبين أن هذا التماسك المجتمعي يمثل أحد أهم عناصر القوة التي يمتلكها الجنوب، حيث يشكل وحدةً اجتماعية وثقافية تعزز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات.

-عيد الاستقلال الحلم الذي يسكن الوجدان

وفي خضم أجواء العيد الدينية، يبقى الحلم الوطني حاضرًا في وجدان أبناء الجنوب، وهو حلم استعادة الدولة الجنوبية وتحقيق تطلعات الشعب في بناء مستقبله السياسي.
فبالنسبة لكثير من الجنوبيين، لا يقتصر معنى العيد على المناسبة الدينية فحسب، بل يمتد ليشمل الأمل في يومٍ وطني أكبر، يصفه البعض بـ“عيد الاستقلال الثاني”، اليوم الذي يستعيد فيه الجنوب دولته وهويته السياسية.
ويعبّر هذا الحلم عن تطلعات شعبٍ يرى في استعادة دولته خطوةً أساسية نحو تحقيق الاستقرار والتنمية وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

-بين حاضر العيد ومستقبل الجنوب

هكذا يستقبل أبناء الجنوب عيد الفطر المبارك هذا العام بقلوبٍ مؤمنة وأرواحٍ متفائلة. ورغم شعور الحنين الذي يتركه غياب الرئيس القائد عيدروس الزبيدي عن أرض الوطن في هذه المناسبة، إلا أن الأمل يبقى حاضرًا في نفوس الكثيرين بأن يحمل هذا الغياب بشائر خير للجنوب وقضيته.
فالجنوب، كما يقول كثير من أبنائه، مرّ بمحطاتٍ تاريخية صعبة، لكنه استطاع في كل مرة أن يحافظ على وحدته وإيمانه بمستقبله.
ومع إشراقة شمس يوم العيد، ستصدح تكبيرات المساجد في مدن الجنوب، وستتجه الجموع إلى المصليات بقلوبٍ مفعمة بالإيمان، بينما تتعالى الدعوات بأن يكون القادم أفضل، وأن يحمل المستقبل ما ينتظره أبناء الجنوب من أمنٍ واستقرار وتحقيقٍ لتطلعاتهم الوطنية.
وهكذا، يظل العيد في الجنوب مناسبةً تتجدد فيها مشاعر الفرح والإيمان، لكنه هذا العام يحمل أيضًا رسالة أملٍ وتطلعٍ إلى الغد، حيث ينتظر أبناء الجنوب يومًا يرونه العيد الأكبر… يوم استعادة الدولة الجنوبية، الذي يصفه الكثيرون بأنه عيد الاستقلال الثاني الذي يسكن وجدان الشعب ويشكل هدفًا وطنيًا يسعى الجميع لتحقيقه.

شاركها.