العاصفة نيوز/ حافظ الشجيفي
العقل الذي يرفض الوصاية، والوعي الذي لا يقبل التزييف، يدركان جيدا ان المشهد السياسي في منطقتنا العربية لا يكتب بمداد من الحقيقة، بل بريشة مخرج محترف يجيد توزيع الادوار خلف الكواليس، بينما تكتفي الجماهير بالمشاهدة والاندهاش امام شاشات لا تنقل الا صدى الانفجارات المرتبة سلفا، فالناظر الى ما يدور اليوم بين مثلث القوى، ايران واسرائيل وامريكا، يجد نفسه امام عرض مسرحي هزلي، اكتملت فصوله قبل ان يبدأ، واندلعت نيرانه دون مقدمات منطقية تبرر هذا التحول الدرامي المفاجئ، ذلك ان المبررات المعلنة للحرب مازالت عائمة في بحر من الغموض،وتفتقر الى الوضوح العسكري، وتغيب عنها الاهداف الاستراتيجية المباشرة التي تعودنا عليها في صراعات الدول الكبرى، مما يدفعنا للجزم بان المعركة ليست معركة حدود او وجود، بل هي معركة نفوذ سياسي، تستهدف في المقام الاول ترويض شعوب المنطقة، والعبث بمقدراتها بعيدا عن انظمتها الحاكمة التي تشترك في المؤامرة مع القوى الدولية ضدها، وصولا الى الهدف الجوهري الذي يكمن في اعادة صياغة الخارطة اليمنية، وتحديدا في الجنوب الذي يراد له ان يكون كبش الفداء في محراب التسويات الدولية الكبرى.
فالحقيقة التي يحاول الجميع القفز فوقها هي ان القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا ترى في اليمن وطنا موحدا او حتى منقسما بين دولتين، بل تراه ستة اقاليم مرسومة بدقة على طاولة الفيدرالية، بواقع اقليمين للجنوب واربعة للشمال، وهي الخطة الدولية التي تمثل جسرا للانتقال الى مرحلة التفكيك الكلي لاحقا، غير ان هذا المشروع التفكيكي الشرس لم يكن ليجد له طريقا للتنفيذ لولا وجود بعبع اقليمي اسمه ايران، تم منحه دور البطولة في المنطقة ليوكل اليه دعم الحوثي، وليقف في مقابله طرف خليجي تقوده السعودية، يلعب ادوارا متناقضة تتراوح بين الاحتواء والضرب، وبين الدعم والتحجيم، لضمان بقاء اليمن في حالة من السيولة التي تسمح بتمرير اجندات التقسيم تحت غطاء الضرورة والواقعية السياسية.
والمفارقة العجيبة تكمن في توقيت هذا التصعيد الايراني الاسرائيلي، الذي جاء كطوق نجاة للسعودية بعد ان اخفقت في تمرير مشروع الحوار الجنوبي الجنوبي الذي دعت اليه الرياض، فقبل هذا الانفجار العسكري المفتعل، كانت الرياض قد بذلت قصارى جهدها لتحجيم المجلس الانتقالي، بصفته الممثل الشرعي لتطلعات الشعب الجنوبي، وعملت بآلة حادة على تفكيك هيكله التنظيمي وتحييد قواته المسلحة الضاربة، بغرض تهيئة المناخ لفرض صيغة فيدرالية تجمع الجنوب بالشمال المهيمن عليه حوثيا تنفيذا للمشروع الغربي، ولكن صمود الوعي الشعبي الجنوبي ورفضه القاطع لهذا الالتفاف على طموحاته بالاستقلال، وضع المبادرة السعودية في مأزق الفشل الذريع، وهنا برزت الحاجة الى دخان الحرب الكثيف للتغطية على هذا الاخفاق، فكانت مسرحية الحرب بين طهران وتل ابيب هي المخرج المثالي لتبرير تجميد الملفات السياسية العالقة، واختلاق عذر يبرر فشل انعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي الذي ولد ميتا، وهو هدف تكتيكي خفي لا يدركه الا من يقرأ ما بين السطور المحترقة.
والامر يتجاوز مجرد التغطية على فشل سياسي، ليصل الى صناعة اسطورة زائفة عن القوة الايرانية، فالقوى الدولية تتعمد اظهار ايران كقوة صامدة وندية لا تقهر امام الترسانة الامريكية والاسرائيلية، وهو تضخيم غير منطقي يهدف في جوهره الى بث الرعب في قلوب الجنوبيين على وجه الخصوص، وايصال رسالة مفادها لهم بان ايران التي عجز العالم عن كسرها هي الداعم الحقيقي للحوثي، وبالتالي فان الحوثي قوة لا سبيل لمواجهتها، وما على الجنوبيين الا الانصياع لخيار الفيدرالية والقبول بالامر الواقع، بدلا من المراهنة على مجتمع دولي يتظاهر بالعجز امام المد الايراني، وهكذا تكتمل خيوط اللعبة، حرب وهمية في العلن، تخدم اهدافا واقعية في العمق، تحاول سحق ارادة الشعوب تحت وطأة التخويف والتهويل، وتجعل من الدماء المهدورة مجرد حبر يوقع به الكبار اتفاقاتهم السرية على حساب الارض والانسان في الجنوب العربي.
