بينما تحتدم الهجمات المتبادلة في حرب إيران، تشتعل معركة هامشية انتقلت من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط، تبحث فيها روسيا وأوكرانيا عن ركائز الصمود والبقاء.
ومع انخراط موسكو وكييف في حرب إيران بشكل غير مباشر لخدمة أهدافهما، تبرز تساؤلات حول مدى رغبتهما في انتهاء الصراع الدائر بين حلفائهما المتحاربين. في حين تعتقد وكالات استخبارات أوروبية أن روسيا “في مراحل الاستعداد النهائية” لتزويد إيران بمسيرات، مؤكدة أن موسكو قدمت بالفعل معلومات استخباراتية لطهران لمساعدتها في استهداف القوات الأمريكية بالمنطقة، وفق ما نقلته صحيفة “الجارديان” عن مسؤول أوروبي.
يفكك اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي والمحلل العسكري الاستراتيجية الروسية في حرب إيران، موضحا أن موسكو تدير مساحة بالغة الأهمية تُعرف بـ”حرب الإحداثيات” لإنقاذ ودعم حليفتها الإيرانية.
ويبيّن فرج في تصريحات خاصة لـ” العاصفة نيوز”، أن موسكو تعمل على رد فاتورة الطائرات المسيرة والصواريخ التي حصلت عليها من طهران، من خلال توفير مظلة استخباراتية ولوجستية متكاملة، مؤكدا أن روسيا تقدم معلومات وإحداثيات دقيقة عبر أقمار صناعية متطورة ومنظومات رادار حديثة، لتصبح المعلومة الدقيقة هي الورقة الأقوى في يد إيران لضمان إصابة الأهداف بكفاءة.
يتوافق هذا الطرح، مع تحليل أوليج إجناتوف، كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية لشؤون روسيا، في تصريحات خاصة لـ” العاصفة نيوز”، بوصفه التعاون بين البلدين بالمنطقي والمعقول جدا، في ظل التنسيق عالي المستوى بين أجهزتهما الاستخباراتية والعسكرية.
ويعزز ذلك من احتمالات ارتفاع وتيرة الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية المستضيفة للقوات الأمريكية، وهو ما من شأنه إطالة أمد حرب إيران وتداعياتها على أسواق النفط والاقتصاد العالمي والذي يصب في النهاية في صالح روسيا.
وفي حين يجد الكرملين في اضطراب سلاسل الطاقة “شريان حياة” لاقتصاده المتعثر، تحاول أوكرانيا تحويل خبرتها العسكرية إلى “عملة استراتيجية” تجذب بها تمويلا لآلتها الدفاعية، مما جعل من الجغرافيا الإيرانية نقطة ارتكاز جديدة للصراع الروسي الأوكراني.
“المفترس الداهي”.. دوافع روسيا لـ”تغذية” الحرب في إيران
تتبنى موسكو في تعاملها مع الصراع الراهن مقولة المارشال الروسي ألكسندر سوفوروف: “السرعة ضرورية، والتسرع ضار”؛ حيث يحلل معهد “تشاتام هاوس” السلوك الروسي بوصفه “مفترسا داهيا” يعاير مشاركته لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة مع الحد من الانكشاف المباشر.
ووفقا لـ جريجوار روس، مدير برامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في “تشاتام هاوس”، تتمثل أبرز دوافع روسيا في الحفاظ على شراكة استراتيجية مع طهران دون الوقوع في فخ “الدفاع المشترك” الذي قد يجرها لمواجهة مع واشنطن، بهدف البقاء على مسافة كافية للتأثير في النتائج مع الحفاظ على حرية الحركة.
ويعتبر روس، أن رسالة موسكو تشير إلى إثبات أنها فاعل لا يمكن استبعاده، مستغلة لحظة “إرهاق الولايات المتحدة” التي توازن بين التزاماتها في أوكرانيا والشرق الأوسط والمحيط الهادئ.
وفي السياق ذاته، يؤكد “المجلس الأطلسي” أن تركيز إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الشرق الأوسط يمنح الكرملين مكسبا دبلوماسيا يتمثل في “تخفيف الضغوط” على موسكو للانخراط في محادثات سلام بقيادة واشنطن، مما يضع أوكرانيا في خطر التصوير كـ”عبء طويل الأمد”.
“بورصة الحرب”.. مكاسب روسيا الاقتصادية والجيوسياسية
وفي خضم الصراع بالشرق الأوسط، تُجمع التقارير الدولية على أن روسيا هي “الرابح الأكبر” من حرب إيران؛ حيث صرح بن كاهيل الباحث البارز في “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لشبكة “سي إن إن“، بأن الكرملين بات بإمكانه الآن بيع النفط الخام “بسعر السوق الكامل” بعد سنوات من الخصومات الإجبارية.
ويوضح سيرجي فاكولينكو الباحث في “مركز كارنيجي”، تضاعف سعر خام الأورال ليصل إلى 90 دولارا للبرميل بحلول منتصف مارس، مما يضخ 8.5 مليار دولار إضافية شهريا، يذهب 5 مليارات منها مباشرة لخزينة الدولة لتمويل “الآلة الحربية في أوكرانيا”.
ويرى “معهد كارنيجي للسلام“، أن تعطل إمدادات الخليج عزز موقف روسيا تجاه الصين والهند، اللتين باتتا تنظران للنفط الروسي كخيار لا غنى عنه. كما دفع الصراع بكين لإعادة النظر في اعتمادها على الممرات البحرية، مما أحيا مشروعات الأنابيب البرية مثل “قوة سيبيريا 2” وتوسيع خط أنابيب نفط شرق سيبيريا “ESPO”.
وتنوّه ألكسندرا بروكوبينكو، الباحثة في “مركز كارنيجي“، إلى أن روسيا تجني مكاسب إضافية من قطاع الأسمدة والغاز، حيث أدى تعطل مضيق هرمز لخلق حالة من “التبعية الدائمة” لدى مستوردين في أفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يدفع الاتحاد الأوروبي لتأجيل التخلص من الغاز الروسي.
التفوق الميداني واستنزاف “باتريوت”
فيما يتعلق بالشق العسكري، يرى معهد “فورين بوليسي للأبحاث” أن الحرب في إيران منحت روسيا تفوقا ميدانيا في أوكرانيا عبر إحداث “ثغرة” في الدفاعات الجوية؛ فالمنافسة المحمومة على صواريخ “باتريوت” بين دول الخليج وأوكرانيا أدت لنقص حاد في الذخيرة لدى كييف.
ويؤكد المعهد أن كل صاروخ اعتراضي يُستخدم في سماء الرياض أو أبو ظبي هو صاروخ يُحرم منه الدفاع عن خاركيف أو أوديسا، مما مكن موسكو من تكثيف ضرباتها الباليستية بصواريخ “إسكندر” و”كينجال” لتصل ذروتها في فبراير 2026، قبل اندلاع حرب إيران وخلال الاستعدادات الأمريكية لها.
ويتطرق التحليل، مكسبا استراتيجيا آخر يتمثل في “الاستقلال التصنيعي”؛ حيث أنشأت روسيا خطوط إنتاج محلية لمسيرات “جيران” المشتقة من “شاهد” الإيرانية، مما يعني أن احتياج طهران المفاجئ لمسيراتها لن يؤثر على كثافة القصف الروسي لأوكرانيا، بل سيستمر استنزاف المخزون الأوكراني المتناقص من الصواريخ الاعتراضية المتطورة.
“خبرة مقابل مليارات”.. استراتيجية كييف في حرب إيران
دوافع الانخراط الأوكراني في دعم دول الخليج
وفي حين تتعاظم الاستفادة الروسية من إطالة أمد حرب إيران، تتخوف أوكرانيا من أن يؤدي ذلك إلى حرمانها من صواريخ “باتريوت” الدفاعية الأمريكية، ما دفع كييف إلى التحرك لتدارك الأمر عبر توقيع اتفاقات تعاون دفاعي مع دول خليجية بهدف مدها هذه الدول الشرق أوسطية بمسيرات اعتراضية أوكرانية أقل تكلفة وأكثر فاعلية أمام المسيرات الإيرانية.
تتجاوز هذه الاتفاقيات العسكرية أطر التعاون الدبلوماسي المعتاد، لتستهدف تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة للطرفين. ويوضح إجناتوف في تصريحات خاصة لـ” العاصفة نيوز”، أن كييف تضع نصب عينيها الحصول على التمويل والعتاد العسكري لضمان استمرارية عملياتها.
يقول: “تأتي صواريخ الدفاع الجوي في مقدمة أولويات أوكرانيا، نظرا لحاجتها الماسة لاعتراض الصواريخ الباليستية الروسية التي تستهدف مدنها وبنيتها التحتية”.
وعلى مدار سنوات الحرب الأربع الماضية ضد روسيا، طوّرت كييف مسيرات اعتراضية قادرة على تحييد مسيرات شاهد الإيرانية التي تستخدمها كييف بشكل مكثف في هجماتها.
وتتجلى هذه الخبرة المكتسبة في تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال جولة إلى الدول الخليجية؛ إذ أكد على أن بلاده وحدها هي القادرة حاليا على حماية أرواح المدنيين من الهجمات الإيرانية التي تستهدف تلك الدول، مشددا على أن كييف “غيرت بلا شك الوضع الجيوسياسي”.
وفي إطار ذلك، يرى خبراء أن تحركات زيلينسكي تهدف إلى استعادة الزخم العسكري والدبلوماسي الذي فقدته أوكرانيا بسبب حرب إيران.
ويرى يفجين ماجدا المحلل السياسي ومدير معهد السياسة العالمية في كييف، أن فولوديمير زيلينسكي يجد في هذا الانخراط “موارد مالية وفرصا” حيوية لدعم صناعة الدفاع الأوكرانية المتعثرة.
ويؤكد ماجدا في تصريحات لوكالة “فرانس برس“، أن دوافع أوكرانيا تتجاوز الدعم الفني لتصل إلى رغبة كييف في تأمين حلفاء جدد قادرين على تمويل صفقات السلاح، في ظل اشتداد المنافسة الدولية على الموارد العسكرية.
تمويل صفقات السلاح والمقايضة الاستراتيجية
ويتأكد ذلك من إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن إبرام “عقود استراتيجية مدتها 10 سنوات” مع الإمارات والسعودية وقطر تبلغ قيمتها “مليارات الدولارات”، موضحا أن هذه الصفقات ستضمن توفير الموارد اللازمة للجنود الأوكرانيين في جبهات القتال.
واعتبر زيلينسكي أن “الجميع سيربح” من هذا التعاون، حيث تضمن أوكرانيا استمرارية تدفق الدعم المالي لمصدريها العسكريين، وهو ما يبرز طموحا أوكرانيا لمقايضة تكنولوجية؛ حيث أشار يفجين ماجدا إلى أن “النتيجة المقبولة” لكييف تتمثل في استبدال طائراتها المسيرة بصواريخ “باتريوت” الاعتراضية باهظة الثمن التي تمتلكها دول الخليج، نظرا لحاجة أوكرانيا الماسة إليها لصد الهجمات الصاروخية الروسية اليومية، رغم إقراره بصعوبة ذلك في ظل استمرار الحرب.
ما الذي تُقدمه أوكرانيا عسكريا لدول الخليج؟
يرتكز الدعم الأوكراني لدول الخليج على 3 محاور أساسية وُثّقت في الاتفاقيات الموقعة مع الرياض والدوحة، والمزمع توقيعها مع أبو ظبي: نشر خبراء مكافحة المسيرات في الدول الخليجية الثلاث لتقديم استشارات ميدانية فورية. إلى جانب الإنتاج المشترك إذ أعلن زيلينسكي عن خطط لبناء مصانع وخطوط إنتاج للمعدات الدفاعية في كل من أوكرانيا ودول الخليج خلال السنوات الـ10 القادمة.
وأخيرا، تبادل التكنولوجيا حيث أكدت وزارة الدفاع القطرية أن الاتفاقية تشمل التعاون في المجالات التكنولوجية، وتطوير الاستثمارات المشتركة، وتبادل الخبرات في التصدي للصواريخ وأنظمة الطائرات المسيرة.
وفي إطار ذلك، يؤكد اللواء سمير فرج أن الاحتياجات الأوكرانية تلاقت التحديات الأمنية الملحة التي تواجهها دول الخليج، مبيّنا أن جوهر التعاون العسكري الجديد يرتكز على نقل الخبرة الفنية التي راكمتها أوكرانيا على مدار أكثر من 4 سنوات من التصدي للمسيرات الإيرانية من طراز “شاهد”.
ويعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي، أن الأساليب الفنية الأوكرانية في تحييد هذه المسيرات والصواريخ الباليستية تمثل كنزا استراتيجيا لدول الخليج، يمكنها من بناء حائط صد منيع لحماية أجوائها الإقليمية ومواجهة التهديدات المشتركة.
ومع ذلك، يحذر فرج من أن هذه التحركات المتقاطعة تفرض واقعا جديدا يجعل المشهد الدولي أكثر تعقيدا، إذ أن التعاون العسكري بين أوكرانيا ودول الخليج سيزعج روسيا التي تعتبره تحديا مباشرا لنفوذها.
لكن في الوقت نفسه، يؤكد فرج أن شكل الرد الروسي وتوقيته يظلان مرهونين بالتطورات المقبلة في المنطقة، وما ستسفر عنه الأيام القادمة من تغيرات استراتيجية معقدة.
“روسيا وأوكرانيا” والرهان على الميدان الإيراني
وفي النهاية، يتضح أن نقل المعركة الروسية الأوكرانية إلى جغرافيا إيران يمثل ذروة البراغماتية السياسية؛ فبينما يموّل الكرملين حربه في أوكرانيا عبر أرباح النفط الناتجة عن أزمة الخليج ومضيق هرمز، تمول كييف جيشها عبر بيع “خبرة الصمود” لدول المنطقة.
وفي ظل تراجع الضغوط الدبلوماسية على موسكو واستنزاف صواريخ “باتريوت” الغربية في سماء الشرق الأوسط، يظل “جنرال المصالح” هو المحرك الفعلي للصراع، محولا حرب إيران إلى ورقة ضغط حاسمة في مستقبل الجبهة الأوروبية.
