الخميس – 02 أبريل 2026 – الساعة 06:15 م بتوقيت عدن ،،،



العاصفة نيوز / حافظ الشجيفي

إن في تقلبات السياسة من العجائب ما يجعل العقل الحصيف يرتد حائرا أمام تناقضات البشر ومكايد القدر، وإنه لمن أشد ما يورث المرارة في نفس المرء أن يرى الدم المطلول لا يزال يفوح بشذا الوفاء بينما ترقص فوق أشلائه طفيليات الخيانة والتبعية العمياء، فقد انقضت تسعون يوما بكمالها وتمامها وما زالت الذاكرة الجنوبية تنزف من ذلك الجرح الغائر الذي أحدثه طيران الجار الذي كنا نحسبه سندا وظهيرا، حين أطبق بجناحيه على أجساد أربعمئة شهيد من خيرة شباب الجنوب وأضعافهم من الجرحى في حضرموت والمهرة، دونما ذنب اقترفوه سوى أنهم طهروا ترابهم من أرجاس احتلال يمني عاث في الأرض فسادا لعقود خلت، فإذا بالجزاء من جنس العمل ولكن بقلب المعايير، حيث صار الناصر ضاربا والمحرر منبوذا، والمحتل الذي طردناه من الباب أعاده الطيران السعودي من النوافذ، بل وسلطه على رقاب العباد والبلاد في مشهد ينم عن تنمر صريح واقصاء متعمد للمجلس الانتقالي وتفننا في التنكيل بأعضائه وتفكيك عراه.
ثم تدور رحى الأيام لتمتحن الصبر بالبلاء، فتشهد المنطقة وثبة صاروخية إيرانية استهدفت القواعد العسكرية الأمريكية في بلاد الحرمين، ردا على سعير حرب أوقدتها أمريكا وإسرائيل ضد طهران، وهو فعل يدخل في عرف الصراعات السياسية والعسكرية تحت بند المعاملة بالمثل بين الأعداء، فما كان من الإيرانيين إلا أن صوبوا سهامهم نحو القواعد المحتضنة لخصومهم، وكان نصيب الإمارات العربية المتحدة من ذلك الدمار هو الأوفر والأشد وقعا، وهنا تتجلى المفارقة التي تلطم وجه المنطق وتصفع جبين الكرامة، إذ انبرت أحزاب ومكونات يمنية في حضرموت الجنوبية لإقامة فعاليات جماهيرية تضامنية مع السعودية ضد الرد الإيراني، متناسين في غمرة تملقهم أن الدماء الجنوبية التي سفكها الغدر السعودي في ذات الأرض لم تجف قطراتها بعد، فكيف يستقيم في ميزان العقل أن يخرج المقتول ليعزي قاتله في خدش أصابه، أو أن يرفع المظلوم لواء التضامن مع من سلبه حقه وأعاد خصمه ليجثم على صدره مرة أخرى..
فهذه الغوغائية السياسية التي تمارسها تلك المكونات هي بمثابة إعلان صريح عن مباركة القتل وتأييد لمرتكبي المجزرة، إذ كان الأحرى بتلك الجموع لو ملكت ذرة من مروءة أو مسحة من وطنية أن تخرج منددة بالعدوان السعودي الذي استهدف الروح والجسد الجنوبي، فالأقربون أولى بالمعروف كما قرر الحق سبحانه في محكم التنزيل، والجنوب وشعبه أحق بالتضامن والانتصار من دولة أمعنت في الغدر بحلفائها المخلصين، وإذا كانت إيران لم تهاجم الجنوبيين مباشرة ولم تقتل أبناءهم غدرا كما فعلت الرياض، فإن العجب لا ينقضي من هذا الارتماء في أحضان من استباح الدم الجنوبي لمجرد أن الجنوبيين حرروا أرضهم وأخلصوا في حلفهم، والأنكى من ذلك كله هو تجاهل تلك القوى اليمنية لما أصاب الإمارات من دمار صاروخي ايراني رغم أنها كانت الظهير الحقيقي للجنوبيين، فغضوا الطرف عنها وصرفوا وجوههم شطر السعودية وحدها في نفاق سياسي يزكم الأنوف.
على ان الحقيقة المرة التي تتجلى في هذا المشهد الهزلي هي أن الشعب السعودي نفسه لم يخرج في مظاهرات تضامنية مع حكامه ضد إيران، فبأي حق وبأي منطق يُدفع بالجنوبيين للخروج تضامنا مع من قتلهم وفكك لحمتهم وأعاد المحتل اليمني ليرتع في ديارهم بعد أن طهرتها قوافل الشهداء الذين سقطوا على مدى عقود من النضال الشاق في سبيل الاستقلال. .. فمن الهوان أن تطلب من الضحية أن تذرف الدمع على جرح في يد الجلاد، وففلسفة مشوهة تلك التي تجعل من التبعية دينا ومن الخضوع سياسة، فما حدث في حضرموت ليس تضامنا بل هو انتحار معنوي ودفن للقضية تحت ركام المصالح الضيقة، واستهانة بدم الشهيد الذي مات ليحيا الجنوب عزيزا، فإذا به يرى من خلف ستر الغيب أحفاده يصفقون لمن هدم الدار وقتل الجار وأعاد الأغيار.

شاركها.