ليس الرابع من مايو هذا العام امتدادًا زمنيًّا يُقاس بعدّاد الأيام، ولا محطةً تُضاف إلى سلسلة المحطات في مسيرة الجنوب الطويلة، بل هو انعطافةٌ فارقة في مسار النضال، تختلف في جوهرها ودلالاتها عن لحظة التأسيس الأولى التي شهدت انبثاق المجلس الانتقالي الجنوبي من رحم الضرورة التاريخية، فكان العاصفة نيوز2017م هو ميلاد المجلس الانتقالي بوصفه كيانًا يحمل أمانة استعادة دولة الجنوب، وفي العاصفة نيوز هذا تجديد ميثاقٍ يرسم خارطة طريق النضال من طور البناء إلى طور استكمال التحرير.

إن الرابع من مايو هذا العام يُجسّد تحوّلًا نوعيًّا في طبيعة التفويض ووجهته؛ إذ ينتقل بالجماهير من مربع إعلان الإرادة إلى مربع استكمال المشروع التحرري الذي حدّده البيان السياسي ورسم معالمه الإعلان الدستوري للمجلس الانتقالي الجنوبي في يناير المنصرم. وفي هذا اليوم تتجدّد البيعة للرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، لا بوصفه قائد مرحلة تأسيسية مؤقتة، بل بوصفه قائد مشروع استعادة دولة الجنوب الفيدرالية كاملة السيادة، من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، وفق خارطة طريق لا تحيد عن مسارها مهما اشتدت العواصف.

وبهذا لم يعد الرابع من مايو احتشادًا رمزيًّا يُعلن الوجود الجنوبي على خريطة قضية شعب الجنوب فحسب، بل صار ميثاق شرفٍ وطنيٍّ تتجدّد بنوده سنويًّا، وتُقاس على ضوئه المواقف، وتُوزن به الالتزامات، وتُكشف فيه معادن المواقف وصلابة الإرادة. إنه المرجعية الجامعة التي ينبغي أن يلتزم بها كل من آمن بفكرة التفويض وأخلص لدلالة التجديد، فلا يُبرَّر الخروج عنها بتفرّعٍ حزبيٍّ هنا، ولا بتفريخ مكوّنٍ هناك، ولا بالتنصّل من مظلّة المجلس الانتقالي بوصفه الكيان الجامع والجبهة العريضة التي كانت ثمرة نضال ثلاثة عقود من التضحيات والصبر الاستراتيجي.

لقد شهدت الساحة الجنوبية في مراحل سابقة نزوعًا خطيرًا نحو تفتيت الجبهة الواحدة إلى مكوّنات متنافرة، والانسلاخ عن ميثاق العمل الوطني المشترك، بفعل غياب المظلة النضالية الجامعة التي جاء المجلس الانتقالي فمثلها في إطارٍ سياسيٍّ جامع. وهنا تكمن المفارقة الكبرى بين العاصفة نيوز التأسيس و العاصفة نيوز التجديد: فالأول كان إعلان وحدة الصف في وجه المحو والإقصاء، والثاني هو استعادة هذه الوحدة من براثن التشرذم، ورفضٌ قاطعٌ لكل محاولات القفز على الإرادة الجمعية أو الالتفاف على مخرجات التضحيات.

في الرابع من مايو هذا العام، تخرج الجماهير لتُعلن أن البيعة للرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي هي بيعةٌ على استكمال طريق التحرير، لا على إدارة المرحلة. وأن التفويض المتجدّد هو تفويضٌ من أجل استعادة السيادة كاملةً غير منقوصة على كامل الجغرافيا الجنوبية الممتدة من أقصى المهرة إلى تخوم باب المندب. إنه تفويضٌ يستمدّ روحه من نصوص البيان السياسي والإعلان الدستوري اللذين شكّلا البوصلة القانونية والفكرية للمشروع الوطني، ويستمدّ قوته من ميثاق الشرف الوطني الجنوبي الذي ينبغي أن يكون المرجعية العليا التي تذوب فيها الحسابات الفئوية، وتنضوي تحت لوائها كل المكوّنات، وتلتزم بموجباتها كل القوى، وإلا كان الخروج عنها خروجًا على الإرادة الشعبية ذاتها.

إن الذين تنكّروا لمقتضيات الميثاق الوطني، ورجعوا إلى تفرّيخ المكوّنات في كل اتجاه، وتنازلوا طواعيةً عن مظلّة المجلس الانتقالي كجبهةٍ ثوريةٍ جامعة، أولئك قد اختاروا الاصطفاف خارج صفّ الشعب، ووضعوا مصالحهم الفئوية فوق مشروع الاستعادة الذي سُقِي بالدم. وما تجديد التفويض في الرابع من مايو إلا الردّ الشعبي المدوّي على كل محاولات التشظي والتفريخ، وإعلانٌ صريح أن لا شرعية خارج شرعية الدم، ولا مرجعية تعلو على ميثاق الشرف الذي صاغته الجماهير بدماء الشهداء وآلام الجرحى وصبر الأسرى ودموع الأمهات.

إن الحشود التي تحتشد في 4 من مايو هذا العام لا لترديد الشعارات، ولا لاستظهار الهتافات، بل تحتشد لتُودِع قائدها أمانةَ استكمال الطريق نحو دولة الجنوب الفيدرالية كاملة السيادة، ولتؤكد أن التفويض المتجدّد هو تفويضٌ محفورٌ في الصخر، لا يُلغيه تفرّقٌ من هنا، ولا يُضعفه انسلاخٌ من هناك. إنه ميثاقٌ أبديٌّ بين التراب الطاهر وجنوده الأوفياء، يُكتب في الرابع من مايو من كل عامٍ بلغة الدم التي لا تخطئها عيون الخائنين، ولا تُزيّفها أقلام المرجفين.

لقد آن الأوان ليُدرك الجميع أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن يومًا إطارًا مؤقتًا أو جبهةً عابرة، بل كان وما زال الكيان السياسي الذي اختزل نضال ثلاثة عقود، وانصهرت فيه التضحيات، وانعقدت عليه الإرادة الشعبية. إن التفريط به تفريطٌ بالمشروع الوطني برمّته، والقفز عليه قفزٌ على دماء الشهداء، والتنصّل من ميثاقه تنصّلٌ من الشرعية ذاتها.

في الرابع من مايو هذا العام، يتجلّى الفرق واضحًا جليًّا بين من وقف على ثرى الجنوب الطاهر مجدّدًا للبيعة والعهد، حاملًا راية المشروع الوطني حتى تستعاد الدولة كاملة السيادة، وبين من اختار الاصطفاف على الهامش، مكتفيًا بدور المتفرّج أو الناكر أو المزايد. إنه يومٌ تصمت فيه المحابر خجلًا، وتتوارى فيه الحسابات الضيقة حياءً، ولا ينطق فيه إلا صوت الجماهير التي خرجت لتبايع قائدها على مواصلة الدرب حتى يتحقق وعد الآباء والأجداد: دولة جنوبية فيدرالية كاملة السيادة، من المهرة إلى باب المندب، لا تنازل عن ذرة من ترابها، ولا تفريط في حبة من رمالها.

في الرابع من مايو هذا العام، يُكتب ميثاق الأرض من جديد، وتُشدّ العزائم نحو استكمال المشوار، وتُرسَم خارطة الطريق بعنوان واحد: الاستمرار في النضال التحرري حتى استعادة الدولة. وتكون الجماهير هي الحكم، والدم هو الشاهد، والميثاق هو الفيصل، والتفويض هو السلاح الذي لا يُقهر، والقائد هو عيدروس قاسم الزُبيدي، الذي بايعته القلوب قبل الألسنة، وصافحته الدماء قبل الأيادي، وحملته الأكتاف رايةً خفّاقةً نحو فجر الحرية، يقود السفينة إلى شاطئ النصر، مهما عظم الموج وهاج البحر.

شاركها.