ترسم التحولات الكبرى في تاريخ الأمم ملامح قادة يتركون بصماتهم في المنعطفات المصيرية، حتى يصبحوا جزءاً من الذاكرة الوطنية لشعوبهم. ومن بين هذه الشخصيات يبرز الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي كأحد أبرز القادة الذين ارتبطت مسيرتهم بمختلف مراحل النضال الوطني الجنوبي، من ميادين المقاومة المبكرة ومواجهة مشاريع الهيمنة، إلى قيادة معارك التحرير عام 2015م، ثم حمل المشروع الوطني الجنوبي سياسياً عبر المجلس الانتقالي الجنوبي.
فالرجل الذي يتصدر اليوم المشهد السياسي والعسكري الجنوبي لم يصل إلى موقعه من خلال التوافقات السياسية العابرة أو الترتيبات التقليدية للسلطة، بل عبر مسار طويل من العمل النضالي والميداني الذي بدأ منذ مطلع الألفية الجديدة، وتواصل عبر مراحل مختلفة اتسمت بالمواجهة والصمود وتحمل التضحيات.

ـالبدايات الأولى رفض مبكر لمشاريع الهيمنة

يربط شعب الجنوب صعود الرئيس عيدروس الزُبيدي بمواقفه المبكرة الرافضة لمشاريع الهيمنة ومحاولات طمس الهوية الجنوبية. ففي مرحلة كانت فيها الأصوات الجنوبية تواجه التضييق والملاحقة، برز القائد الزُبيدي كأحد النشطاء المنخرطين في الحراك الوطني الجنوبي، وأسهم في تأسيس حركتي “حتم” و”موج” اللتين مثلتا آنذاك إطاراً سياسياً وتنظيمياً عبّر عن رفض قطاع واسع من الجنوبيين للواقع السياسي القائم.
ويُنظر إلى تلك المرحلة باعتبارها اللبنة الأولى في مسيرة القائد السياسية، حيث اكتسب خلالها خبرة تنظيمية وميدانية، وأسهم في بناء شبكات نضالية شكلت لاحقاً قاعدة للحراك الجنوبي السلمي الذي انطلق بصورة أوسع عام 2007م.

ـالحراك الجنوبي السلمي حضور في الصفوف الأولى

مع انطلاق الحراك الجنوبي السلمي عام 2007م دخلت قضية الجنوب مرحلة جديدة من العمل الشعبي والجماهيري. وخلال تلك الفترة كان الرئيس الزُبيدي من أبرز القيادات التي شاركت في الفعاليات والاعتصامات والمهرجانات الجماهيرية التي شهدتها محافظات الجنوب.
ويرى مراقبون للشأن الجنوبي أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن فقط في الحضور الميداني للزُبيدي، بل في قدرته على المحافظة على حضوره السياسي رغم ما تعرض له الحراك الجنوبي من ضغوط وملاحقات واستهدافات أمنية.
وخلال تلك السنوات ترسخت صورة القائد الزُبيدي لدى قطاع واسع من الجنوبيين باعتباره أحد القيادات المتمسكة بهدف استعادة الدولة الجنوبية، وهو ما أسهم لاحقاً في تعزيز مكانته السياسية والشعبية.

ـحرب 2015م لحظة التحول الكبرى

مثّل اجتياح مليشيات الحوثي والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح لمحافظات الجنوب عام 2015م نقطة تحول محورية في مسيرة الرئيس عيدروس الزُبيدي.
فمع اندلاع الحرب برز الزُبيدي كأحد أبرز القادة الميدانيين الذين تولوا تنظيم المقاومة الجنوبية وقيادة المعارك في جبهات الضالع وعدن. وخلال تلك الفترة اكتسب القائد مكانة استثنائية لدى الشارع الجنوبي نتيجة حضوره المباشر في خطوط المواجهة.
ويعتبر شعب الجنوب أن معارك عام 2015م لم تكن مجرد معركة عسكرية للدفاع عن الأرض، بل محطة أعادت صياغة الوعي السياسي والوطني الجنوبي، ورسخت قناعة بضرورة امتلاك الجنوب مؤسساته العسكرية والأمنية الخاصة القادرة على حماية مكتسباته.
وكان لتحرير العاصمة عدن في يوليو 2015م أثر بالغ في تعزيز حضور الزُبيدي كقائد سياسي وعسكري، حيث ارتبط اسمه بواحدة من أهم المحطات في تاريخ الجنوب الحديث.

ـمن التحرير إلى تثبيت الأمن

لم تتوقف التحديات عند حدود تحرير الأرض من قبضة الحوثيين، بل بدأت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً تمثلت في تثبيت الأمن ومواجهة الجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة التي حاولت استغلال حالة الفراغ الأمني.
وخلال هذه المرحلة برز دور الرئيس الزُبيدي في الإشراف على تشكيل وتطوير المؤسسات العسكرية والأمنية الجنوبية، والتي تولت لاحقاً تنفيذ عمليات واسعة لمكافحة الإرهاب في عدن ولحج وأبين وشبوة وأجزاء من حضرموت.
ويرى شعب الجنوب أن هذه المرحلة شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة القيادة الجنوبية على الانتقال من العمل المقاوم إلى بناء المؤسسات، وهو ما انعكس على تحسن الوضع الأمني في العديد من محافظات الجنوب مقارنة بالسنوات الأولى التي أعقبت الحرب.

ـالرابع من مايو تفويض شعبي غيّر المشهد

في الرابع من مايو 2017م شهدت العاصمة عدن واحدة من أكبر الفعاليات الجماهيرية في تاريخ الجنوب الحديث، حيث خرجت حشود ضخمة من مختلف محافظات الجنوب مطالبة بتمكين القيادة الجنوبية من إدارة المرحلة السياسية المقبلة. ويُنظر إلى ذلك اليوم باعتباره محطة مفصلية في تاريخ قضية الجنوب، إذ أسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي الجنوبي، ورسخ مكانة الرئيس عيدروس الزُبيدي كقائد يحظى بتفويض شعبي واسع.
ولم يكن ذلك التفويض حدثاً عابراً، بل مثّل نقطة الانطلاق نحو تأسيس إطار سياسي منظم يعبر عن المشروع الوطني الجنوبي بصورة مؤسسية.

ـتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي

بعد أيام قليلة من فعالية الرابع من مايو، تم الإعلان في 11 مايو 2017م عن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي.
وشكل تأسيس المجلس نقلة نوعية في مسار قضية شعب الجنوب، إذ انتقلت من مرحلة العمل الجماهيري والحراك الشعبي إلى مرحلة العمل السياسي المؤسسي المنظم.
ومنذ تأسيسه سعى المجلس الانتقالي الجنوبي العربي إلى توسيع حضوره السياسي والدبلوماسي، والعمل على إيصال قضية شعب الجنوب إلى المحافل الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على حضوره الميداني والعسكري داخل الجنوب.
كما أسهم المجلس في بناء هياكل تنظيمية ومؤسسات سياسية وإدارية امتدت إلى مختلف محافظات الجنوب، ما عزز من حضوره كفاعل رئيسي في المشهد السياسي.

ـالثبات على المواقف في مواجهة الضغوط

واحدة من أبرز السمات التي يركز عليها شعب الجنوب هي تمسك الرئيس القائد عيدروس الزبيدي بالمواقف السياسية الثابتة تجاه قضية شعب الجنوب.
فخلال السنوات الماضية واجه المجلس الانتقالي وقيادته العديد من الضغوط والتحديات السياسية والإقليمية، غير أن الرئيس الزُبيدي ظل يؤكد في خطاباته المختلفة أن قضية شعب الجنوب ليست محل مساومة أو تنازل.
ويعتبر مؤيدوه أن هذا الثبات أسهم في تعزيز الثقة الشعبية به، خصوصاً في ظل حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها المنطقة.
كما يرون أن العلاقة بين القيادة الجنوبية والشارع الجنوبي لم تُبنَ على الشعارات فقط، بل على مسار طويل من التضحيات والمواقف التي امتدت لعقود.

ـالمؤسسة العسكرية والأمنية أحد أبرز المنجزات

يشير كثير من المراقبين إلى أن بناء القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية يمثل أحد أهم التحولات التي شهدها الجنوب خلال السنوات الأخيرة.
وقد ارتبط هذا الملف بصورة مباشرة بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية والأمن الجنوبي.
ولهذه المؤسسات دوراً بارزاً في مكافحة الإرهاب، وحماية محافظات الجنوب، والحفاظ على الاستقرار الأمني، فضلاً عن دورها في حماية المكتسبات السياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

ـيناير 2026م اختبار جديد للمواقف

شهدت الساحة السياسية الجنوبية خلال يناير 2026م نقاشات ومواقف سياسية تعتبر اختباراً جديداً لثبات القيادة الجنوبية على أهدافها الوطنية.
وفي هذا السياق جرى تقديم الرئيس الزُبيدي بوصفه قائداً متمسكاً بمواقفه تجاه ما يعتبره الجنوبيون حقوقاً سياسية وسيادية غير قابلة للتنازل.
وأعادت تلك الأحداث إلى الواجهة الخطاب السياسي القائم على التأكيد بأن قضية شعب الجنوب ليست مجرد ملف تفاوضي، وإنما مشروع وطني يرتبط بتطلعات شعب يسعى لاستعادة دولته وهويته السياسية.

ـسر الالتفاف الشعبي حول الزُبيدي

يرى محللون سياسيون أن الالتفاف الشعبي حول
الرئيس عيدروس الزُبيدي يعود إلى جملة من العوامل، أبرزها حضوره المبكر في ميادين النضال، ومشاركته المباشرة في معارك التحرير، وقيادته للمؤسسات السياسية والعسكرية الجنوبية، إضافة إلى تمسكه بالمواقف التي يعتبرها الجنوبيون جزءاً من ثوابتهم الوطنية.
كما أن ارتباط اسمه بمحطات تاريخية بارزة، مثل الحراك الجنوبي السلمي، وحرب 2015م، وتفويض الرابع من مايو، وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، جعله بالنسبة للجنوبيين رمزاً سياسياً ووطنياً ارتبط بمراحل مختلفة من مسيرة قضية الجنوب.

ـالثبات على الأهداف الوطنية

على امتداد أكثر من عقدين من الزمن، تشكلت مسيرة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي عبر محطات متتابعة من العمل النضالي والسياسي والعسكري. فمن نشاطه المبكر في الحركات الوطنية الجنوبية، مروراً بالحراك السلمي، ثم قيادته للمقاومة الجنوبية خلال حرب 2015م، وصولاً إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادة المشروع الوطني الجنوبي، ظل اسمه حاضراً في أبرز التحولات التي شهدها الجنوب.
وفي ظل استمرار التحديات السياسية والعسكرية والإقليمية، يبقى الزُبيدي بالنسبة عنواناً للثبات على الأهداف الوطنية، وقائداً ارتبطت مسيرته بمشروع استعادة الدولة الجنوبية،
ويرى مراقبون أن حجم الالتفاف الشعبي حول الرئيس عيدروس يعكس ثقة متراكمة صنعتها سنوات طويلة من النضال والتضحيات والمواقف التي تعد شاهداً على أن قضية شعب الجنوب بالنسبة له ليست قضية سياسية عابرة، بل مشروع حياة ومسيرة وطن.

شاركها.