الإثنين – 22 يونيو 2026 – الساعة 10:44 م بتوقيت عدن ،،،



العاصفة نيوز/ حافظ الشجيفي

تأخذنا حركة التاريخ في مجراها الطبيعي إلى مواقف قد تبدو في ظاهرها طارئة أو مجرد انفعالات لحظية، لكنها في العمق والجوهر تمثل انعكاسا دقيقا لتحولات البنية النفسية والسياسية للشعوب، حيث لا يمكن فصل أي سلوك جماعي عن سياقه الموضوعي الممتد عبر تراكمات من الفعل ورد الفعل، فالنفس البشرية حين تتعرض لجرعات مكثفة من الأذى المتعمد والصلف المستمر تجد نفسها مدفوعة بوعي أو بدون وعي نحو تشكيل مواقف حاسمة تترجم حجم الوجع المعنوي الذي أصاب وجدانها، ويتسع هذا الشعور تلقائيا ليتجاوز الفاعل المباشر إلى كل ما يتصل به من رموز ومسميات، في معادلة إنسانية بالغة التعقيد والوضوح معا، تلغي مساحات الحياد وتجعل من الرفض السلوكي وسيلة وحيدة للتعبير عن جرح غائر في الأعماق، وهو تماما ما ينطبق على علاقات الدول والشعوب ببعضها عندما تتحول الرابطة المفترضة من سند إلى مصدر للمحن ومحاولات التطويق، مما ينتج مجالات من الجفاء الروحي والسياسي لا يمكن التغاضي عنها أو قراءتها بمعزل عن مسبباتها الحقيقية والجذرية.
والواقع المشهود في الساحة الجنوبية يقدم دليلا ساطعا على هذه الديناميكية التلقائية، إذ لم يكن خروج الجماهير في الجنوب قبل يومين للاحتفال بانتصار المنتخب الإسباني على نظيره السعودي في تصفيات مونديال كأس العالم مجرد تشجيع لفريق أجنبي أو انحياز كروي قائم على المتعة ، بل جاء كصرخة سياسية ونفسية مدوية تختزل حجم المرارة والخذلان الذي تجرعه هذا الشعب منذ مطلع العام الحالي جراء السياسات السعودية الممنهجة ضد الجنوب، والتي تجاوزت حدود الضغط السياسي التقليدي لتطال العصب الحيوي لحياة المواطنين عبر التضييق العسكري والأمني والاقتصادي، وصولا إلى تردي الخدمات الأساسية وتجفيف منابع العيش الكريم، والأنكى من ذلك والأشد إيلاما في حسابات الكرامة الوطنية كان الاستهداف المباشر والعلني لإرادة الشعب الجنوبي الحرة وتطلعاته المشروعة في الاستقلال واستعادة دولته، حيث سخرت الجارة الكبرى كل إمكانياتها المادية والسياسية وطاقاتها ونفوذها لكسر هذه الإرادة ومحاصرتها، متناسية أن الجروح المعنوية والمساس بالهوية الوطنية يترك ندوبا في الذاكرة الجمعية للشعب لا تطوى الأيام صفحتها، ولا تداويها السنين بعكس الأضرار المادية المؤقتة التي يمكن تعويضها او التي من الممكن ان تزول بزوال اسبابها .
ويتبدى التحول الجوهري في هذا السلوك الشعبي عند مقارنته بالماضي القريب، حيث كان الجمهور الجنوبي يعد نفسه دائما السند والمشجع الأول للمنتخب السعودي في مختلف المحافل الرياضية والبطولات العالمية، مندفعا بدوافع الأخوة وأواصر الجوار حتى وإن كانت المواجهة تجمع السعودية بمنتخبات عربية شقيقة، إلا أن الصلف الجارح والسياسات القاسية التي مارستها الرياض في الآونة الأخيرة قلبت هذه الموازين بالكامل، وجعلت من مناصرة المنتخب الإسباني وإطلاق الألعاب النارية في الشوارع ابتهاجا بالهزيمة السعودية أداة تعبير سلمية وحضارية لرفض الوصاية والظلم، وإيصال رسالة واضحة المعالم بأن الألم قد بلغ مداه بعدما ذاق الجنوب على يد من يفترض أنه شقيق ما لا يمكن أن يذوقه عدو على يد عدوه، ومن هنا يجوز القول بأنه لا مجال للوم هذا الشعب أو توجيه العتب إليه، بل يجب توجيه اللوم والمساءلة التاريخية والسياسية الصارمة إلى الجهة التي دفعت بالجنوبيين نحو هذا المربع عنوة وبإمعان، وتحمل المسؤولية الكاملة عن صناعة هذا الشرخ الوجداني الكبير الذي بات يفصل بين الشعبين نتيجة الحسابات الخاطئة والغرور السياسي الذي لا يرى في الشعوب إلا أرقاما أو أدوات لإملاء الإرادة والسيطرة.

شاركها.