لم يعد تصاعد الهجمات الحوثية مجرد تطور عسكري عابر، ولا يمكن فصل اتساع نطاقها عن التحولات التي عصفت بجبهة المواجهة خلال الفترة الماضية. فحين تتراجع قوة الردع، وتُستهدف التشكيلات العسكرية الأكثر فاعلية في مواجهة الحوثيين، فإن النتيجة الطبيعية ليست استقرارًا أو تهدئة، بل فتح نوافذ جديدة أمام الميليشيا للتقدم والمناورة والتصعيد.

وهنا تبرز المسؤولية السياسية والأمنية للسياسات السعودية التي اتجهت، بدلًا من تعزيز جبهة مواجهة الحوثي، إلى إضعاف قوى جنوبية كانت في مقدمة القوى التي خاضت المعارك ضده، ودفعت أثمانًا باهظة في سبيل حماية الجنوب ومواجهة مشروعه العسكري.

فالقوات المسلحة الجنوبية لم تكن قوة هامشية في معركة الحوثيين، بل كانت طرفًا أساسيًا في خطوط المواجهة، وخاضت معارك مباشرة في أكثر من جبهة، وحققت انتصارات ميدانية أثبتت قدرتها على وقف تمدد الميليشيا ومنعها من تحقيق أهدافها.

لكن هذه المعادلة تعرضت لضربات متتالية.
إجراءات سياسية وعسكرية استهدفت تشكيلات جنوبية، ومحاولات لإعادة ترتيب المشهد العسكري على نحو أضعف القوى الموجودة على الأرض، وصولًا إلى التطورات العسكرية في حضرموت والمهرة؛ وكل ذلك يطرح سؤالًا لا يمكن القفز فوقه:

لمصلحة من أُضعفت القوى التي كانت تواجه الحوثي؟
فالسياسة لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالنتائج.
والنتيجة التي ظهرت على الأرض هي أن إضعاف القوى المناهضة للحوثيين لم يؤدِّ إلى إضعاف الحوثي، بل منح الميليشيا هامشًا أوسع للتحرك، ورفع من قدرتها على اختبار خطوط الخصوم، وفتح أمامها فرصًا جديدة لتوسيع دائرة التصعيد.

وهذه ليست معادلة معقدة.
حين تُضعف خصم الحوثي، فإنك لا تضعف الحوثي بالضرورة؛ بل قد تمنحه فرصة أكبر للتقدم.

والأخطر من ذلك أن الحوثي يقرأ التحولات العسكرية والسياسية بدقة، ويراقب حالة التراجع والانقسام وإعادة تشكيل القوى المناهضة له، ثم يبني عليها حساباته العسكرية.

فالميليشيا لا تحتاج إلى إعلان انتصار كي تستفيد من إضعاف خصومها. يكفيها أن ترى خطوط المواجهة أقل تماسكًا، والقوى الفاعلة أقل قدرة على الحركة، والردع أقل حضورًا، حتى تدرك أن تكلفة التصعيد أصبحت أقل مما كانت عليه. ومن هنا، فإن اتساع الهجمات الحوثية لا يمكن النظر إليه بعيدًا عن حالة الاختلال التي أصابت جبهة مواجهته.

لقد كان الجنوب، وقواته المسلحة، في قلب معركة التصدي للحوثي. وكان المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بقيادة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، حاضرًا في المشهد السياسي والعسكري بوصفه أحد أبرز الأطراف التي واجهت المشروع الحوثي على الأرض.

لكن بدلًا من تحويل هذه القوة إلى جبهة أكثر تماسكًا في مواجهة الحوثيين، جرى التعامل معها باعتبارها مشكلة سياسية ينبغي احتواؤها أو تفكيكها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
كيف يمكن أن تُهزم ميليشيا مسلحة عبر إضعاف القوى التي تقاتلها؟
وكيف يمكن الحديث عن مواجهة الحوثي، بينما تتعرض القوى الأكثر احتكاكًا به للضغط والإضعاف وإعادة الهيكلة؟

إن مواجهة الحوثي لا تحتاج إلى المزيد من إضعاف الجبهات، بل إلى بناء منظومة ردع حقيقية، وتثبيت القوى الموجودة على خطوط النار، ومنحها القدرة على حماية مناطقها، ومواجهة أي محاولة جديدة للتمدد.

أما الاستمرار في سياسة إضعاف القوات الجنوبية، فإنه لا يخدم الاستقرار، ولا يعزز مواجهة الحوثيين، بل يخلق فراغًا عسكريًا وسياسيًا ستكون الميليشيا أول المستفيدين منه.

والواقع يقول إن الحوثي لا يتقدم فقط عندما يربح معركة..
بل يتقدم أيضًا عندما يخسر خصومه قدرتهم على منعه.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد: لماذا صعّد الحوثي؟
بل أصبح السؤال الأكثر أهمية:
من الذي سمح بتراجع قوة الردع أمامه؟
ومن الذي أضعف الجبهة التي كانت تقاتله؟
ومن الذي فتح، بسياساته وقراراته، مساحة جديدة أمام الميليشيا لتعيد ترتيب أوراقها وتوسيع هجماتها؟

إن تحميل السياسات السعودية مسؤولية تداعيات إضعاف جبهة المواجهة الجنوبية ليس مجرد موقف سياسي، بل قراءة لما أنتجته الوقائع على الأرض.

فحين تُفكك القوى القادرة على القتال، ويُهمّش أصحاب الخبرة الميدانية، وتُضعف الجبهات التي واجهت الحوثي لسنوات، فإن النتيجة لا تحتاج إلى كثير من التفسير: خصم أكثر جرأة.. وردع أقل حضورًا.

والخطر الحقيقي أن استمرار هذه السياسة قد يقود إلى نتيجة أكبر من مجرد اتساع الهجمات الحوثية؛ فقد يعيد تشكيل ميزان القوة لمصلحة الميليشيا، ويمنحها فرصة لاستعادة المبادرة، ويجعل تكلفة مواجهتها في المستقبل أكبر بكثير.

لذلك، فإن المعالجة لا تبدأ بإلقاء اللوم على الحوثي وحده، بل تبدأ بمراجعة السياسات التي ساهمت في إضعاف جبهة مواجهته.
فالحرب لا تُدار بإضعاف الحلفاء في الميدان، ولا تُحسم بتفكيك القوى التي أثبتت قدرتها على القتال.

وإذا كانت الأولوية فعلًا هي مواجهة الحوثي، فإن الطريق واضح:
تعزيز الردع.. دعم القوات القادرة على المواجهة.. تثبيت الجبهات.. وعدم تحويل القوى الجنوبية التي قاتلت الحوثي إلى ضحية لصراعات سياسية جانبية.

فالمعادلة التي تجاهلها البعض طوال الوقت بسيطة وواضحة:
كلما أُضعفت جبهة الجنوب.. اتسع هامش الحوثي. وكلما تراجع الردع.. ازدادت جرأة الميليشيا. أما الاستمرار في إضعاف من يقاتل الحوثي، ثم التساؤل عن سبب اتساع هجماته، فليس سياسة مواجهة.. بل صناعة لفراغ لا يملؤه إلا الحوثي.

شاركها.