تُمثل كرة القدم في السودان أكثر من مجرد رياضة؛ إنها رمز للوحدة الوطنية والصمود أمام الظروف الصعبة، خاصة في ظل النزاعات الداخلية والتحديات الاقتصادية. تأسس الاتحاد السوداني لكرة القدم عام 1936، لكن المنتخب الوطني، المعروف بـ”صقور الجديان”، لعب أول مباراة رسمية له عام 1955 أمام إثيوبيا، منهياً اللقاء فوزاً ساحقاً 5-0 على ملعب دار الرياضة بأم درمان. منذ ذلك الحين، أصبحت اللعبة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، معتمدة على أندية تاريخية مثل الهلال والمريخ اللذين يسيطران على المشهد المحلي.
التاريخ والإنجازات البارزة
بدأت كرة القدم في السودان تحت التأثير الاستعماري البريطاني في عشرينيات القرن الماضي، حيث شُيِدَ أول ملعب في أتبرا عام 1927 باسم “ملعب باركر”، وكانت مصلحة السكك الحديدية تشجع على ممارستها بين العاملين. في الثلاثينيات، شهدت نمواً هائلاً، مع تكوين الاتحاد وانتشار الأندية؛ فقد بلغ عددها 103 نادٍ بحلول 1945، مما وصف بـ”حركة سودانية صميمة” أثارت الحماسة الجماهيرية. أبرز الإنجازات جاء في كأس أمم أفريقيا، حيث استضاف السودان النسخة الأولى عام 1957 وحل ثانياً، ثم وصل إلى النهائي عام 1963 قبل أن يفوز باللقب التاريخي عام 1970 بعد تغلبه على غانا 1-0 بهدف لحسبو الصغير.
هذا “الجيل الذهبي” في السبعينيات، بقيادة نجوم مثل ناصر الدين عباس (جكسا)، حيدر علي (علي غاغارين)، وعمر علي حسب الرسول، جعل السودان قوة إفريقية، نافساً كباراً مثل مصر والجزائر. شارك المنتخب في 8 نسخ من كأس أمم أفريقيا، وكان من مؤسسي الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF)، لكنه لم يتأهل أبداً إلى كأس العالم. على المستوى المحلي، يُعتبر التنافس بين الهلال (تأسس 1908) والمريخ (1908 أيضاً) أيقونياً، حيث فازا بعشرات الألقاب، وكانا عماد المنتخب الوطني، مع إنجازات إفريقية مثل كأس الكونفيدرالية للمريخ عام 1989.
التحديات الحديثة والتأثير السياسي
مع اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023، تعرضت كرة القدم السودانية لضربة قاصمة؛ توقف الدوري المحلي، دُمِرَت ملاعب، ونزح آلاف اللاعبين، مما دفع أندية مثل الهلال والمريخ إلى اللعب في الخارج، كرواندا وموريتانيا. رغم ذلك، حقق المنتخب إنجازات مذهلة، مثل التأهل لكأس أمم أفريقيا 2025 في مجموعة E مع الجزائر وبوركينا فاسو، والاقتراب من التأهل التاريخي لكأس العالم 2026 بعد أداء غير مهزوم في التصفيات. في بطولة CHAN 2025، هزم السودان السنغال رغم مشكلات اللياقة الناتجة عن غياب الدوري.
السياسة لعبت دوراً كبيراً؛ في العصر الاستعماري، استخدمت السلطات البريطانية الكرة لمنع تشكيل نقابات، كما في محاولة إيقاف رابطة أهلية عام 1933. في الثورة السودانية 2019، انخرط الرياضيون، خاصة لاعبو كرة القدم، في المقاومة ضد النظام، مظهرين تعاطفاً مع الشهداء في ميدان الاعتصام. اليوم، يعاني القطاع من التضخم الاقتصادي (87.2%) والبطالة (أكثر من 60%)، مع نقص التمويل والفساد في الاتحاد، مما يحد من تطوير الشباب والنساء.
النجوم والآفاق المستقبلية
أنجبت الكرة السودانية أساطير مثل هيثم تمبل، هداف المنتخب التاريخي الذي انتقل إلى جنوب أفريقيا، وفيصل العجب، قائد المريخ في الثمانينيات. من الجيل الحديث، يبرز محمد أحمد بشير (بيشة) في الدوري السعودي، وعلاء الدين يوسف، قائد المنتخب. المنتخب النسائي يتقدم تدريجياً في التصفيات الأفريقية، لكن الدعم محدود.
مع اقتراب كأس أمم أفريقيا 2025، يُنظر إلى المنتخب كمصدر أمل، خاصة تحت قيادة المدرب جيمس كويسى أبياه، الذي يركز على التحضير في المنفى (مصر والإمارات). إذا انتهت الحرب، يمكن أن تعود الكرة السودانية إلى مجدها عبر برامج CAF للشباب وبناء أكاديميات، محولة الرياضة إلى أداة للتنمية والوحدة.
