[
الدراما المصرية وتشويه المرأة في مسلسل بيت بابا
في الوقت الذي تتغنى فيه الدراما المصرية بأنها ” مرآة المجتمع “، نجدها للأسف تُصر على عكس صورة مشوهة، قاسية، ومجحفة للمرأة المطلقة، وكأن الطلاق في حد ذاته جريمة أخلاقية، لا مجرد تجربة إنسانية قد يفشل فيها أي طرف !!
آخر هذه النماذج جاء في مسلسل ” بيت بابا ” الذي عرض على منصة شاهد وقناة MBC مصر، ورغم أن العمل في مجمله اجتماعي خفيف، ويحسب له أداء مميز للفنان محمد محمود الفنانة إنتصار، إلا أن تناوله لشخصية المطلقة كشف عن خلل عميق في الوعي الدرامي تجاه النساء بعد الانفصال.
المطلقة في الدراما
المطلقة = علامة استفهام ؟
منذ مشهد ظهور شخصية مديرة ” أكرم ” أو صاحبة الشركة التي يعمل فيها أكرم – امرأة شابة، تعمل، أنيقة ، محترمة – لكن في مشهد زفاف ” أمجاد ” تبدأ الايحاءات السامة. نظرات، همسات، تساؤلات غير مباشرة ولم يخلو الأمر من نظرات تحرش من عمهم ” أكمل ” وكأن مجرد اهتمام رجل بها يستوجب التحقيق في ” ماضيها ”
ثم تأتي الجملة الكاشفة على لسان الأب :
– هي مديرتك في الشغل دي بتلبس قصير كده علطول .. هي مش متجوزة ؟
= لا متطلقة
– ” آآه .. متطلقة “
جملة قصيرة وساد الصمت، لكنها محملة بإيحاء غير لطيف، وكأن الطلاق وحده كاف لوضع المرأة في خانة الشبهة.
صورة المرأة المطلقة
هل الطلاق يُسقط الاحترام؟
يتكرر الأمر في مشهد آخر قبل الاستعداد لرحلة الإسكندرية، حين يدخل سليم – المحامي زوج أمينة أخت أكرم عليه – والمتخصص في قضايا الأسرة – ليسأل عن علاقته بالمرأة بطريقة توحي بعلاقة مشبوهة، ثم يعقب:
” انت فاهم وانا فاهم … انها مطلقة ”
ثم يكمل
” مرتين .. “
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة :
هل من العيب أن تتزوج المرأة مرة أو اثنتين ؟
هل طلاقها يضعها تلقائياً في قائمة الاتهام الأخلاقي؟
هل تُحرم من الصداقة ؟ من الزمالة؟ من الإعجاب ؟ من الحب ؟
لماذا يُقدم وجودها في حياة رجل على أنه خطر، وتهديد، وإغراء مشبوه ؟؟
الجملة التي كسرت كل الخطوط
ثم تأتي القشة التي قصمت ظهر المشهد، حين يقول محامي الأسرة المحترم :
” أهم حاجة تجيبها معاك في الرحلة عشان نتسلى كلنا في الرحلة “
جملة لا يمكن تبريرها درامياً، ولا تمريرها أخلاقياً، ولا حتى الدفاع عنها بحجة ” خفة الدم “.
هذه ليست سخرية ولا كوميديا .. هذا انحدار.
كيف يُسمح لشخصية محام، يُفترض أنه أكثر الناس احتكاكاً بآلام النساء، أن ينطق يجملة تحول المرأة المطلقة إلى أداة تسلية جماعية؟
تشويه ممنهج لا حالة فردية
المشكلة لا تقف في هذا المسلسل على شخصية مديرة أكرم فقط
هناك نمط متكرر في العمل الدرامي العائلي الكوميدي ” بيت بابا “
– المرأة التي ترفع قضية خلع = مستعدة لأي علاقة
– موكلات مكتب قضايا الأسرة = نساء ينتظرن أي رجل لدرجة ان واحدة منهم اعتقدت أن المحامي يطلب يدها فوافقت وخطبت له قبل صدور الحكم في سوء التفاهم حينما ذهب إليها سليم المحامي نيابة عن زوجها .. ثم عادت لزوجها بعد ذلك وكأن قضية الخلع لعبة تتخم المحاكم من النساء المستهترات !!
– حتى الحامل منهن ظهرت كأنها امرأة لعوب باعتبارها بلا حدود أو قيم وتتحدث بطريقة غير لائقة مع المحامي ومع الطبيب
وكأن اللجوء للقانون لاستعادة الكرامة يساوي فقدان الأخلاق.
الدراما لا تعكس المجتمع .. بل تُعيد تشكيله
الخطورة هنا أن الدراما لا تكتفي بعكس الأفكار، بل تُعيد إنتاجها وتطبيعها.
حين يُكرَّس في وعي المشاهد أن المطلقة:
– مشكوك في سمعتها
-عبء اجتماعي
– تهديد للأسر
– مادة للتهكم والاستغلال
فنحن لا نحكي قصة هنا، ولا نقدم مسلسل اجتماعي، بل نُشارك في صناعة ظلم جماعي.
المطلقة ليست وصمة عار
الطلاق تجربة إنسانية، قد تكون مؤلمة، وقد تكون ضرورة، وقد تكون نجاة.
والمطلقة ليست امرأة ناقصة، ولا مشروع شبهة، ولا كائناً خارج المنظومة الأخلاقية.
هي إنسانة كاملة …
بحقها في الاحترام، وبحقها في الحب، وبحقها في الظهور في الدراما كإنسانة، لا كتحذير.
وحتى لو صححوا الصورة في النهاية .. فالضرر وقع بالفعل
قد يقال إن نهاية المسلسل ستكون مختلفة وأن المرأة المطلقة كانت مُساء فهمها، وأن الشكوك التي أثيرت حولها لم تكن في محلها.
لكن هذا لا ينال من المآخذ الأساسية على العمل، بل يؤكدها.
المشكلة ليست في البداية أو النهاية،
المشكلة في منهج الطرح
فالدراما هنا افترضت السوء أولاً، وبنت عليه نظرات وإيحاءات وجُمل جارحة ، فلا يغفر ذلك لاحقاً التبرير أو التراجع
وهذا بالظبط ما لا نريده في المجتمع.
نحن نحتاج إلى ثقافة تفترض حسن النية وحسن الأخلاق، لا أن تبدأ بالاتهام ثم تنتظر البراءة.
نحتاج إلى وعي يرى المرأة – أي امرأة – إنسانة محترمة إلى أن يثبت العكس ، لا العكس !!
لأن الشك المسبق، حتى لو تم نفيه في النهاية، يترك أثره.
والوصمة حتى لو أزيلت درامياً، ستظل راسخة في وعي المشاهد.
وفي النهاية
الدراما التي تُهين النساء باسم الواقعية، لا تصف المجتمع … بل تكرس أسوأ ما فيه.
وإلى أن تتوقف هذه النظرة، ستظل المطلقة تُحاكم مرتين :
مرة في حياتها الخاصة، ومرة على الشاشة.
بقلم المستشارة شيماء حسني
محامية وكاتبة

