عبد الحليم يعقوب يكتب ✍️
سياق المواجهة وصدمة البداية في حضرة الخمسين ألفاً
لم تكن رحلة الهلال إلى الجزائر مجرد مباراة في دور المجموعات، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة “سيد البلد” على الصمود في ملاعب يغلي مرجلها بالضغط الجماهيري. في ملعب علي عمار، وتحت أنظار أكثر من خمسين ألف مشجع جزائري، دخل الهلال المواجهة وهو يحمل في حقائبه صدارة المجموعة وهدوءاً نسبياً، لكن هذا الهدوء سرعان ما تبخر أمام رغبة “المولودية” التي كانت ترى في هذه المباراة طوق النجاة الأخير. ورغم أن الهزيمة بهدفين مقابل هدف لم تقتلع الهلال من عرش الصدارة، إلا أنها دقت ناقوس الخطر حول كيفية إدارة المواجهات الكبرى خارج الديار، وكشفت عن فجوات لم تكن مرئية في المباريات السابقة التي لعبها الفريق تحت ضغوط أقل.
ثبات التشكيلة وتجاهل لعنة المطارات الأربعة
الملاحظة الأولى التي استوقفت المحللين كانت إصرار المدرب ريجيكامب على الدخول بنفس التشكيلة التي خاض بها المباراة السابقة، وهي مخاطرة فنية كبرى بالنظر إلى الظروف المحيطة بالفريق. الهلال لم يأتِ من الخرطوم مباشرة، بل مر برحلة ماراثونية شملت أربعة مطارات وساعات انتظار طويلة، مما جعل الأجساد منهكة حتى قبل أن تلمس الكرة. هذا الثبات في الأسماء، الذي ضم سفيان فريد في الحراسة ورباعي الدفاع بقيادة كرشوم وإرنق، كان يفتقر لـ “التدوير” الذي يراعي توزيع الأحمال البدنية، مما جعل الفريق يظهر ببطء شديد في الارتداد الدفاعي منذ الدقائق الأولى، وكأن اللاعبين يركضون بأقدام من رصاص وسط سرعات لاعبي المولودية المنفجرين حماساً.
خطايا الدفاع وسوء التقدير في لقطة الهدف الأول
لم يكن الهدف الأول الذي استقبله مرمى سفيان فريد وليد الصدفة، بل كان نتاج سلسلة من الأخطاء المركبة التي تبدأ من التمركز الخاطئ وتنتهي بسوء التقدير. بدأت الحكاية بتمريرة طولية ذكية ضربت عمق الدفاع الهلالي، حيث وُجدت مساحة شاسعة بين قلبي الدفاع “إرنق وكرشوم” لم يتم تغطيتها بالشكل المطلوب. ومع اندفاع مهاجم المولودية، جاء القرار المتسرع من الحارس سفيان فريد بالخروج من مرماه في توقيت غير موفق، مما جعل المرمى مشرعاً أمام الاهتزاز الأول. هذا الهدف كان كافياً لزعزعة ثقة الدفاع وإظهار حالة الارتباك التي سيطرت على المنظومة الدفاعية في الشوط الأول، والتي عانت من فوضى في الرقابة الفردية وتوزيع الأدوار.
انكسار معركة الوسط وتوهج بن خماسة في خنق بوغبا
إذا أردنا البحث عن نقطة الانكسار الحقيقية، سنجدها في دائرة المنتصف، حيث فُرضت على الهلال معركة بدنية لم يكن مستعداً لها. رباعي وسط المولودية، بقيادة المتألق بن خماسة، نجح في فرض حصار خانق على والي الدين بوغبا، الذي ظهر بعيداً عن مستواه المعهود وبطيئاً في اتخاذ القرار. صلاح عادل حاول سد الثغرات بحماسه المعروف، لكنه اندفع في كثير من الأحيان تاركاً خلفه مساحات استغلها لاعبو الخصم ببراعة. غياب الانسجام بين ثلاثي الوسط الهلالي أدى إلى قطع خطوط الإمداد عن محمد عبد الرحمن “الغربال” وآداما كوليبالي، ليصبح الهجوم الهلالي معزولاً تماماً، يصارع من أجل كرات طائشة لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل تفوق جزائري كاسح في الكرات الثانية.
ثورة الشوط الثاني وظهور قمرالدين الذي أعاد الأمل
مع بداية الشوط الثاني، تحرك ريجيكامب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأجرى تغييرات جريئة بسحب ثلاثي المقدمة والدفع بوجوه جديدة كان أبرزها الوافد الغاني مامودو قمرالدين. هذا التغيير لم يكن مجرد استبدال لاعب بآخر، بل كان تغييراً في هوية الفريق الهجومية. قمرالدين أظهر جرأة لافتة وتحركاً ذكياً بين الخطوط، ونجح في تقديم أول تمريرة حاسمة له بقميص الهلال، حين وضع أحمد سالم في مواجهة المرمى ليسجل هدفاً جميلاً قلص به الفارق. هذا الهدف كان “طوق النجاة” حسابياً، لأنه ضمن للهلال التفوق في المواجهات المباشرة أمام المولودية، وأثبت أن الدماء الجديدة قادرة على صنع الفارق إذا ما وجدت المساحة والثقة.
الإرهاق الإداري والفرق بين الطائرة الخاصة والرحلات التجارية
خلف الستار الفني، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الهلال خسر معركة “الاستشفاء” قبل أن يبدأ المباراة. الفوارق كانت واضحة بين نادٍ مثل المولودية يوفر طائرات خاصة لتنقلات فريقه لضمان أعلى درجات الراحة، وبين إدارة الهلال التي اعتمدت على رحلات تجارية شاقة عبر قارات مختلفة. الإرهاق الذهني والبدني الذي أصاب اللاعبين جراء ساعات الانتظار في المطارات كان السبب الرئيسي في غياب التركيز في اللحظات الحاسمة، وهو درس إداري قاسٍ يجب استيعابه سريعاً إذا أراد الهلال المضي قدماً نحو منصة التتويج الأفريقية، لأن المنافسة في الأدوار الإقصائية لا تقبل مثل هذه العثرات التنظيمية.
الموقف الاستراتيجي والحسابات المعقدة في جولة الحسم
وعلى الرغم من مرارة الخسارة الأولى، إلا أن الهلال لا يزال يمسك بزمام الأمور في مجموعته برصيد ثماني نقاط. النتائج الأخرى خدمت الزعيم ليبقي الصدارة في قبضته، متفوقاً على ماميلودي صن داونز ومولودية الجزائر بفضل نتائج المواجهات المباشرة وفارق الأهداف. الآن، تتوجه الأنظار إلى يوم الرابع عشر من فبراير، حيث سيكون الهلال أمام اختبار الحسم النهائي ضد سانت لوبوبو. المطلوب الآن هو غلق ملف الجزائر واستخلاص الدروس من “ليلة الأخطاء”، والتركيز على الجاهزية البدنية للاعبين المهددين بالإيقاف والذين فضل ريجيكامب حمايتهم في الشوط الثاني، لضمان العبور إلى الدور القادم بروح البطل الذي لا يكسره تعثر عابر.