الأربعاء – 25 فبراير 2026 – الساعة 01:40 ص بتوقيت عدن ،،،



العاصفة نيوز/ حافظ الشجيفي

تستوقف القارئ لمسارات الصراع في المنطقة العربية حقائق لا تموت، مهما حاول الساسة طمرها تحت ركام المناورات أو غلفها الدبلوماسيون بضباب التصريحات، وفي قلب هذه الجغرافيا المشتعلة يتجلى ملف قضية الجنوب العربي كأحد أكثر الملفات وضوحا وصدقا في انتمائه لإرادة شعبية صلبة، فالمملكة العربية السعودية كانت تدرك جيدا منذ الوهلة الأولى، وبحكم صلتها الوثيقة بتفاصيل المشهد الذي تعجز القوى المحلية والإقليمية الأخرى عن استيعابه بذات العمق، أن نشأة المجلس الانتقالي الجنوبي لم تكن مجرد حدث عارض في سياق أزمة، بل كانت استجابة حتمية وتاريخية لإرادة شعب الجنوب، التي تجسدت بوضوح زلزل الأرض تحت أقدام المرجفين في السابع عشر من يوليو عام 2017، حين احتضنت ساحة العروض مليونية جماهيرية كبرى بايعت وفوضت اللواء عيدروس الزبيدي بتمثيلها أمام المحافل الدولية والمحلية، بهدف واحد لا يقبل التأويل، وهو استعادة دولة الجنوب وإعلان استقلالها الناجز، والتعبير عن طموح شعب قرر أن يكتب مستقبله بيده بعيدا عن الوصاية أو التبعية، وبناء عليه، تبرز المفارقة التي تثير الدهشة في دوائر التحليل السياسي الرصين، فبما أن صانع القرار في الرياض كان يعلم علم اليقين بهذه الحقيقة، ويعرف أن المجلس الانتقالي قد تشكل وتأسس بالأساس لتحقيق استقلال الجنوب بموجب تفويض شعبي عارم، يظل السؤال معلقا في فضاء الواقع.. لماذا أقدمت القوات السعودية على قصف القوات الجنوبية التي تحركت لتحرير حضرموت والمهرة من بقايا الاحتلال اليمني في ديسمبر الماضي، وكيف يستقيم منطق التعامل السياسي مع المجلس الانتقالي منذ لحظة ولادته، مع معرفة الرياض التامة بأنه كيان وجد من أجل تحرير واستعادة دولة الجنوب، ثم الانقلاب عليه عسكريا حين يشرع في تنفيذ ذات الأهداف التي أعطته شرعيته الوجودية، والواقع يشير إلى أن السعودية التي رعت اتفاقات وساطة مضنية بين المجلس الانتقالي وحكومة الشرعية الاحتلالية، وأسست لشراكة سياسية بينهما، كانت تدرك أن هذا المجلس يضع تحرير الجنوب من الاحتلال اليمني واستعادة دولته على رأس أولوياته، بل إن المسمى الذي يحمله هذا الكيان، بما يتضمنه من صفة “الجنوبي”، يضع فاصلا جوهريا وتناقضا جذريا مع بنية الشرعية الاحتلالية، وإلا فعلى أي أساس منطقي جعلت الرياض من هذا المجلس شريكا في السلطة إن لم تكن تعترف ضمنيا بتمثيله للشعب الجنوبي وتبنيه لقضيته العادلة، وفي ظل هذا السياق، يصبح من الطبيعي والبديهي أن يمضي المجلس الانتقالي الجنوبي في استكمال تحرير أرضه من قوى الاحتلال اليمني، تماما كما فعل في عدن وأبين وشبوة من قبل، وهي العمليات التي لم تواجه أي اعتراض سعودي في حينها، فما الذي تبدل في الموقف السعودي حتى تتدخل عسكريا وبقسوة ضد القوات الجنوبية في ديسمبر الماضي وهي تتقدم صوب حضرموت والمهرة، مع العلم أن هذه المهمة الوطنية هي جزء أصيل من أهداف تأسيس المجلس الانتقالي، في حين أن الغرض الأساسي والوحيد والتفويض الدولي لوجود القوات السعودية في اليمن ينحصر في تحرير صنعاء من قبضة الحوثي وفق نصوص قرارات مجلس الأمن، ولا علاقة لتلك القوات أو مهامها بما يدور في شأن الجنوب الداخلي وترتيب بيته، ومن هنا تبرز علامة استفهام كبرى حول تجاوز السعودية لحدود مهمتها الدولية ونصوص قرار مجلس الأمن الذي حدد العدو في صنعاء، لتقوم بقصف قوات وطنية في حضرموت والمهرة تؤدي واجبا يقع في صميم أهدافها الشعبية التي باركتها الجماهير سلفا، مما يدفعنا للتساؤل بحرقة وطنية وسياسية: من أعطى الرياض الحق في استهداف أصحاب الحق على أرضهم، ومن أين استمدت الشرعية لضرب القوة التي تحمي الإرادة الشعبية لتفسح المجال، وبقوة السلاح، لعودة قوى الاحتلال مرة أخرى إلى أرض لفظتها الدماء والتضحيات.

شاركها.