خلف غبار المعارك الجوية والسيطرة الأمريكية الكاملة على سماء طهران، يبرز في الأفق شبح “أزمة السويس عام 1956″، ما قد يحول انتصارات ترامب العسكرية إلى “إهانة جيوسياسية” كبرى، فالنجاح العسكري لكلًا من بريطانيا وفرنسا في 1956 لم يدم طويلًا، وسرعان ما تحول لاحقًا إلى إهانة سياسية واقتصادية كبيرة، بعدما واجهت الدولتان هروبًا واسعًا لرؤوس الأموال وضغوطًا حادة على أسعار صرف عملتيهما الثابتة، كما فشلتا في تقدير التحولات العالمية في مرحلة ما بعد الاستعمار.

أزمة السويس.. درس تاريخي في التداعيات الاقتصادية

التاريخ يعيد نفسه؛ فكما حققت بريطانيا وفرنسا أهدافاً عسكرية مباشرة في السويس قبل أن تنهارا اقتصادياً أمام هروب رؤوس الأموال، يواجه ترامب اليوم خطر “أزمة السويس الخاصة به” في حربه ضد إيران، وفق ما ذكرته صحيفة “تليجراف” البريطانية في تقرير لها، ورغم السيطرة الجوية الأمريكية الكاملة، يبدو أن البيت الأبيض لم يستعد بعد للتداعيات التي قد تقفز بأسعار النفط إلى حاجز الـ 200 دولار، وتضع الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية، إذ لا تزال إيران تقاتل، ومضيق هرمز مغلقاً، وإمدادات الطاقة العالمية تنزف بمعدل 17 مليون برميل يومياً، أي سدس الاستهلاك العالمي.

ترامب أمام سيناريو مشابه إذا استمرت الحرب

بحسب الصحيفة يخاطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتكرار سيناريو مشابه إذا استمر الصراع مع إيران حتى نهاية مارس، رغم انتعاش الأسواق بعد إعلانه انتهاء الحرب “بشكل كامل” وأن إيران لم تعد قادرة على المقاومة، إلا أن الواقع يشير إلى أن إيران لا تزال تقاتل، بينما لا يزال مضيق هرمز مغلقًا، في وقت تعتمد فيه الحرب على غطاء محدود من الاحتياطي النفطي الأمريكي يكفي لمدة 21 يومًا فقط، مقارنة بتقديرات تشير إلى امتلاك الصين احتياطيًا يكفي لمدة 120 يومًا على الأقل.

تعطل إمدادات النفط العالمية

تشير تقديرات مايكل هايج من بنك “سوسيتيه جنرال” إلى أن الحرب عطلت نحو 17 مليون برميل يوميًا من إمدادات النفط، أي ما يعادل سدس الاستهلاك العالمي، كما تواجه أسواق الغاز الطبيعي المسال وضعًا أكثر تعقيدًا، وفي الوقت ذاته، استُنفدت معظم احتياطيات النفط الروسي “العائمة” البالغة 20 مليون برميل، ولا يستطيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيادة الإمدادات لأنه يصدر بالفعل كامل طاقته الإنتاجية.

أزمة إنتاج النفط في الخليج

تشهد عدة دول نفطية في المنطقة اضطرابات كبيرة في الإنتاج، العراق اضطر إلى خفض الإنتاج بثلاثة ملايين برميل يوميًا بعد امتلاء قدرات التخزين، وبدأت الكويت باتخاذ خطوات مماثلة، كما تستعد أبوظبي تستعد لخفض الإنتاج خلال أيام، وأما السعودية، فرغم امتلاكها مخزونًا أكبر، فقد أغلقت حقول، السفانية، المرجان، الزلف، أبو صفا.

توقع سيمون فلاورز، رئيس مجلس إدارة شركة Wood Mackenzie للاستشارات في مجال الطاقة، أن يصل سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل خلال عام 2026، كما تشهد أسواق الغاز الأوروبية قفزات كبيرة، حيث تراهن الصناديق الاستثمارية على سعر تنفيذ يبلغ 200 يورو لكل ميغاواط ساعة لعقود الغاز لشهر سبتمبر، مقارنة بـ 26 يورو فقط قبل أسابيع.

أزمة الملاحة والتأمين البحري

اقترح ترامب إنشاء صندوق بقيمة 20 مليار دولار عبر مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية لتغطية إعادة التأمين على سفن الشحن في الخليج أثناء الحروب، لكن خبراء الشحن يرون أن هذا الاقتراح يكشف ضعف فهم البيت الأبيض لسوق النقل البحري العالمي، وأشارت الصحيفة في تقريرها إلى أن نقل السفن العالقة حول مضيق هرمز قد يتجاوز الحد الأقصى للمخاطر القانونية البالغ 205 مليارات دولار للحكومة الأمريكية.

كما حذرت من أن إيران لا تزال تمتلك: طائرات مسيّرة بعيدة المدى وقوارب سريعة محملة بالمتفجرات لاستهداف السفن.

قدرات بحرية أمريكية محدودة

تملك الولايات المتحدة حاليًا 12 سفينة حربية فقط في الخليج، بينما يتطلب تأمين حركة ناقلات النفط أسطولًا من 20 سفينة على الأقل، إضافة إلى الحاجة إلى كاسحات ألغام أوروبية، ويثير ذلك تساؤلات حول قدرة واشنطن على فرض السيطرة العسكرية في عدة جبهات حول العالم في الوقت نفسه.

اقتصاد أمريكي معرض لصدمة الطاقة

رغم تصريحات ترامب بأن الولايات المتحدة أصبحت مكتفية بالطاقة، فإن خبراء الاقتصاد يرون أن هذا الطرح غير دقيق لأن النفط سلعة عالمية يتم تسعيرها دوليًا، فالولايات المتحدة ما زالت تستورد نحو تسعة ملايين برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات البترولية، كما أن استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة أعلى بكثير مقارنة بأوروبا، فالأمريكيون يقودون سياراتهم ضعف المسافة سنويًا مقارنة بالأوروبيين، وكفاءة الوقود في سياراتهم أقل بنحو النصف، ويسافرون جوًا ضعف المسافة للفرد، بحسب التقرير.

صورة 2

بدأت آثار الأزمة تظهر بالفعل في الأسواق الأمريكية، فارتفع سعر البنزين من 2.90 دولار للجالون في منتصف فبراير إلى 3.50 دولار، وقفز سعر الديزل إلى 4.60 دولار، وارتفع كذلك وقود الطائرات بوتيرة أكبر، ويخشى خبراء الاقتصاد من أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يضغط على الاقتصاد الأمريكي ويؤثر على الطبقات ذات الدخل المنخفض.

هل يهدد ارتفاع سعر النفط مستقبل ترامب؟

يرى محللون أن وصول النفط إلى 150 دولارًا للبرميل قد يوجه ضربة قوية لقاعدة ترامب الانتخابية، بينما قد يؤدي وصوله إلى 200 دولار إلى أزمة سياسية كبرى تهدد مستقبله السياسي، وتتوقع الأسواق أن يسعى ترامب إلى إعلان النصر سريعًا قبل أن تتحول اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد إلى أزمة عالمية مشابهة لأزمة كوفيد.

شاركها.