بين انفجارات الصواريخ في طهران، وصور الدمار القادمة من منشآت عسكرية ونفطية داخل إيران، يدور صراعٌ أعمق وأشد وطأةً بعيدًا عن عدسات الكاميرات؛ حول من يمسك فعليًا بزمام القرار في الجمهورية الإسلامية بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وتعيين نجله مجتبى خلفًا له في أجواء حرب مفتوحة.

فبينما أعلنت السلطات الإيرانية سريعًا البيعة للمرشد الجديد، تتتالى التقارير الغربية التي تتحدث عن مرشد جريح غائب عن المشهد، وعن حرس ثوري يملأ الفراغ ويدفع نحو توسيع المواجهة إقليميًا.

تقول المصادر الاستخباراتية الإسرائيلية، التي تنقل عنها وكالة “رويترز“، إن التقدير في تل أبيب يشير إلى أن مجتبى خامنئي أُصيب بجروح طفيفة خلال أولى الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع حساسة في طهران وقتلت والده، وإن إصابته تلك وقعت بينما كان في غرفة مجاورة لمكان وجود المرشد السابق.

وتضيف المصادر أن غياب المرشد الجديد عن أي ظهور علني منذ بدء الحرب، وعدم بث أي خطبة أو بيان صوتي أو تلفزيوني باسمه، يثير التساؤلات حول وضعه الصحي وقدرته على مباشرة مهام القيادة في واحدة من أخطر لحظات النظام منذ ثورة 1979.

اقرأ أيضًا: “تاكو” ترامب.. كلمة السر في انسحاب “الرئيس المغامر” من فخ إيران

وتذهب صحيفة “نيويورك تايمز” أبعد من ذلك، إذ تنقل عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين قولهم إن مجتبى خامنئي أصيب بالفعل في اليوم الأول للهجمات، وإن نقله إلى مكان آمن بإشراف الحرس الثوري أثار نقاشًا داخل النخبة حول مدى ملاءمته لقيادة البلاد في زمن حرب.

وتتقاطع هذه الشهادات مع ما تقوله أوساط معارضة في الخارج عن أن التوريث المتسرع لمنصب المرشد تم تحت وقع الصدمة الأمنية، مع رهان من المؤسسة الحاكمة على أن الحرس قادر على تعويض أي ضعف في مركز القائد الجديد.

لكن السردية الرسمية الإيرانية تنفي هذه التقارير بشدة، وتضعها في إطار الحرب النفسية.

وتنقل وكالة “الأناضول” عن يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني، نفيًا قاطعًا لأي أنباء عن إصابة المرشد الجديد، واصفًا إياها بأنها شائعات تستهدف ضرب الروح المعنوية للجبهة الداخلية.

بينما وفي محاولة لإظهار تماسك مؤسسات الدولة خلف القيادة الجديدة، تسارع الأجهزة الأمنية والسياسية لإصدار بيانات ولاء، إحداها نقلتها شبكة “الجزيرة” عن وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، الذي قال إن التعيين السريع لمجتبى يثبت أن إيران الإسلامية لا ترى طرقًا مسدودة وتُبقي دائمًا على رؤية مشرقة للنصر.

مجتبى خامنئي.. من هو مرشد إيران الجديد؟

منذ سنوات، كان اسم مجتبى يتردد في الكواليس بصفته الأمير الوريث داخل منظومة الحكم، مع علاقات وثيقة بقادة الحرس الثوري وشبكات اقتصادية مرتبطة بمؤسسات دينية وأمنية، وفق تقارير نشرها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي وصفه بأنه شخصية محورية في إدارة ملفات القمع الداخلي وتمويل الميليشيات الإقليمية.

ومع ذلك، لم يختبر الرجل يومًا الشرعية الشعبية المباشرة؛ فلا هو خطيب منبر، ولا قائد حرب خرج للجبهات، بل ظل لاعب ظلّ يعتمد على إرث والده وهيبة منصب المرشد أكثر من اعتماده على سيرة ذاتية مستقلة.

الحرب الحالية جاءت إذن كاختبار قاسٍ لأول أيامه في السلطة. فبينما كان يُفترض أن يطل المرشد الجديد ليعلن وحدة الجبهة الداخلية، تكفلت التسريبات الأجنبية برسم صورة معاكسة: قائد مصاب يحيط به طوق أمني من وحدات خاصة، بينما يتصدر قادة الحرس الثوري المشهد في الجبهات الإعلامية والعسكرية.

هذا الغياب فتح الباب لتحليلات تقول إن الحرب تحوّلت تدريجيًا إلى معركة لإنقاذ المرشد الجديد من أزمة شرعية لا تقل خطورة عن الصواريخ الأمريكية.

سقوط الواجهة الجمهورية

في قراءته التحليلية التي نشرتها صحيفة “جيروزاليم بوست“، يرى الدكتور راز زيمت، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن صعود مجتبى خامنئي يمثل ضربةً قاضية للأساس الأيديولوجي الذي قام عليه النظام. ويعتبر زيمت أن هذا التعيين المثير للجدل يوازي دق مسمارٍ جديد في نعش شرعية الجمهورية الإسلامية برمتها.

راز زيمت

ويوضح باحث INSS أن ارتقاء مجتبى، المسنود تاريخيًا بدعمٍ مطلق من الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات، يُسقط ورقة التوت عن الواجهة الجمهورية للنظام. وبذلك، يتحول الهيكل الحاكم في إيران ليكون أقرب إلى نظامٍ عسكري ديكتاتوري تقليدي، يرتكز كليًا على استخدام القوة الخشنة لضمان بقائه.

وهو ما يشير إليه أيضًا تحليلٌ صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، يلقي الضوء على المخاطر الاستراتيجية الجسيمة المترتبة على صعود مجتبى خامنئي في هذا التوقيت الحساس. إذ يشير إلى أن الصلات العميقة التي تربطه بالحرس الثوري قد تدفع النظام نحو تبني خياراتٍ أكثر تطرفًا ومغامرة، سواء في التعاطي مع الأزمات الخارجية أو إدارة الاحتقان الداخلي.

ويدعم الباحث كريم سجادبور، من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، هذه الرؤية مؤكدًا أن الحرب الحالية تمنح النظام الإيراني، وفي القلب منه الحرس الثوري، ذريعةً مثالية للهروب من الاستحقاقات الداخلية. وأن القيادة توظف هذا الخطر الوجودي كأداةٍ فعالة لإسكات الأصوات الرافضة، وتوحيد الصفوف بالقوة، فضلًا عن تضييق المساحة السياسية المتاحة إلى أدنى حدودها.

رهانات الحرس الثوري

على الجانب الإيراني، يرى مراقبون أن مساندة الحرس الثوري لـ مجتبى خامنئي لم تأتِ عبثًا أو بمحض الصدفة؛ فالحرس ينظر إلى المرشد الجديد بوصفه صمام أمانٍ استراتيجي للمرحلة المقبلة، كما يقول الصحفي والباحث الإيراني مهدي باربانشي رئيس تحرير مجلة إيران الدولية.

مهدي باربانشي

ويفسر باربانشي هذا التوجه بأن مجتبى خامنئي يمتلك القدرة على الحفاظ على تماسك الكتلة الصلبة للنظام في حال اتخاذ قرارٍ بمواصلة القتال طويل الأمد. وفي السيناريو المعاكس، يبرز كالشخصية الوحيدة المؤهلة لتمرير صفقة تسويةٍ مريرة دون التعرض لتمرد الأجنحة المتشددة، مستفيدًا من الرصيد الكبير والثقة التي يحظى بها في أوساطها.

هذا التموضع القوي للحرس الثوري ينعكس بوضوح في التناقض الصارخ بين خطاب القيادة السياسية المدنية والواقع الميداني، خاصةً تجاه دول الخليج. فبينما نقلت منصات دولية، مثل NPR، عن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاره لدول الجوار وتأكيده أنها دول شقيقة لن تُستهدف ما لم تُشن هجمات من أراضيها ، كانت وقائع الميدان تسير في اتجاه آخر تمامًا.

أزمة الثقة العميقة

وقد وثقت تقارير إخبارية صادرة عن وكالاتٍ مثل “رويترز”، إلى جانب منصاتٍ تحليلية مثل مركز جيوبوليتيكال فيوتشرز، هجماتٍ متكررة نفذها الحرس الثوري استهدفت منشآت طاقة وبنى تحتية في دولٍ خليجية. وجاءت هذه التحركات لتشكل تناقضًا حادًا ينسف وعود الرئاسة الإيرانية من جذورها.

ووفق تحليل مركز جيوبوليتيكال فيوتشرز؛ فإن الحرس الثوري يتصرف كقوةٍ عسكرية منفلتة بلا توجيهٍ سياسي حاكم، وهو يستغل حالة الفراغ السائدة ليمارس دور القوة العسكرية وصانع القرار في آنٍ واحد، مما يجعل مسارعة الحكومة لتقديم الاعتذارات تبدو كمحاولةٍ يائسة لاحتواء التداعيات الكارثية لهذا الانفراد بالقرار السيادي.

يشكل هذا التناقض المؤسسي أيضًا أزمة ثقةٍ عميقة الجذور، وفقًا لما يوضحه الباحث علي فايز مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، في تصريحاته لشبكة “الجزيرة“.

unnamed

ويشير فايز إلى أن دول الخليج باتت تدرك تمامًا حجم الازدواجية في توجيه الرسائل الإيرانية؛ ففي الوقت الذي يُصر فيه الحرس الثوري على محاولة فرض قوة ردعه الإقليمي من خلال استهداف المصالح الخليجية المباشرة، تسعى الحكومة المدنية ووزارة الخارجية جاهدةً لامتصاص الغضب المتصاعد.

وتلجأ طهران في ذلك إلى تبني خطابٍ تصالحي يهدف إلى تجنب العزلة الدولية الكاملة، غير أنه خطابٌ يفتقر إلى أدنى رصيدٍ من المصداقية على أرض الواقع.

صورة تعبيرية تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي

تقدم أزمة مجتبى خامنئي أو “المرشد الجريح” عدسةً تحليلية جديدة ومبتكرة لفهم أبعاد حرب إيران الراهنة؛ فالصراع الدائر لم يعد يقتصر على كونه مواجهةً حول طموحات برنامجٍ نووي أو مساعي التمدد والنفوذ الإقليمي فحسب. بل تجاوز الأمر ذلك ليتحول إلى معركةٍ طاحنة تحدد شكل السلطة داخل بنية النظام ذاته، وتفصل في هوية الجهة التي تمتلك الصلاحية المطلقة لقول “نعم” أو “لا” لقرارات الحرب والسلام.

إن غياب مجتبى خامنئي عن الشاشات، بالتوازي مع الحضور الطاغي للحرس الثوري في كل الجبهات، وتزامن رسائل الاعتذار الدبلوماسية مع توجيه الضربات العسكرية، جميعها خيوطٌ متشابكة ترجح استنتاجًا واحدًا؛ ما يدور الآن على الساحة الإيرانية هو محاولةٌ بالغة التكلفة لإنقاذ مرشدٍ جديد، تسبق في أولويتها أي مساعٍ لإعادة رسم خرائط النفوذ الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.

شاركها.