في الوقت الذي تبدو فيه الحرب أقرب إلى الاستنزاف منها إلى الحسم، لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخيار الخروج من إيران، لكنه مع ذلك أثار ثمة تساؤلات بشأن موقفه الراهن، وما إن كان مراجعة استراتيجية حقيقية أو كونه مناورة سياسية جديدة لرجل اعتاد التصريحات “المتناقضة”.
فبين أهداف لم تتحقق، ورسائل متضاربة، وتشكك الحلفاء، وتداعيات تتصاعد من أسواق الطاقة إلى أمن الخليج، بدت ملامح مأزق يتجاوز حسابات البداية الأمريكية، إلى سؤالًا أكثر تعقيدًا؛ هل يستطيع ترامب إنهاء حرب لم يحسمها، أم أن كلفتها باتت أكبر من قدرته على الانسحاب؟
في هذا الإطار، ترى صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، أن ترامب يدرس “تقليص” العمليات في إيران، لكن العديد من أهدافه الأصلية في الحرب لا تزال غير مُحققة، فمنذ أن بدأ ما يسميه الآن “رحلته” إلى إيران، انشغلت واشنطن بسؤال عن موعد انتهاءها، حتى مع بقاء كثير من أهدافه دون إنجاز.
مساء الجمعة، أثناء توجهه إلى فلوريدا، بدا أن ترامب يضع تصورًا لذلك الخروج الذي كثر الحديث عنه، لكنه لم يحسم بعد ما إذا كان سيتخذه.
وتتزايد المؤشرات من اقتراب متوسط سعر البنزين من 4 دولارات للجالون، إلى دمار البنية التحتية عبر الخليج، وتمسك النظام الإيراني المُنهك بمواقعه، وتردد الحلفاء الأميركيين أولًا ثم صراعهم لاحقًا مع مطالب تأمين مياه معادية، على أن تداعيات “رحلة ترامب” قد تستمر لفترة أطول من اهتمامه بها.
تناقض “فج”
كعادته، تتسم رسائل ترامب بالتناقض، وهو ما يراه منتقدوه دليلًا على دخوله هذا الصراع دون استراتيجية، بينما يعتبره أنصاره “غموضًا استراتيجيًا”.. فمع إرسال آلاف إضافية من مشاة البحرية إلى المنطقة وتسارع وتيرة الضربات الأميركية والإسرائيلية، قال ترامب للصحفيين إنه لا يهتم بوقف إطلاق النار لأن الولايات المتحدة “تدمر” مخزونات الصواريخ الإيرانية، وقواتها البحرية والجوية، وقاعدتها الصناعية الدفاعية.
لكن بعد ساعات، وربما استجابة لقلق قاعدته الجمهورية من التداعيات السياسية، كتب على منصته للتواصل الاجتماعي: “نحن نقترب جدًا من تحقيق أهدافنا، بينما ندرس تقليص جهودنا العسكرية الكبرى في الشرق الأوسط”.
وكتب ترامب مجددًا: “لقد قضت الولايات المتحدة على إيران تماما.. لقد حققت أهدافي في الحرب على إيران، وتجاوزت الجدول الزمني بأسابيع.. ومع ذلك يريدون عقد صفقة. أنا لا أريد ذلك”، غير أنه عاد من جديد ليلوح بخيار “الفوضى الأكبر” ممثلًا في تهديده بقصف محطات الطاقة الإيرانية ما لم يتم فتح مضيق هرمز في غضون 48 ساعة.
وأضاف أن الضربات الأميركية ستبدأ “بالأكبر أولًا”، في إشارة إلى أكبر منشأة، والتي تبدو أنها محطة بوشهر النووية وهي الوحيدة العاملة في إيران، في حين اعتُبرت محطات الطاقة النووية لعقود أهدافًا محظورة بسبب مخاطر الكوارث البيئية.

قائمة أهداف.. منقوصة
غير أن قائمته الأخيرة لهذه الأهداف أغفلت بعض أهدافه السابقة وقلصت أخرى، فلم يذكر هزيمة الحرس الثوري الإيراني الذي يبدو أنه لا يزال في السلطة، إلى جانب مجتبى خامنئي الذي خلف والده مرشدًا أعلى، رغم أنه لم يظهر أو يُسمع منه علنًا بعد، كما لم يوجه أي رسالة جديدة للشعب الإيراني، بعدما قال له قبل ثلاثة أسابيع فقط: “عندما ننتهي، تولّوا أنتم حكم بلدكم”.
وتقول “نيويورك تايمز”، إنه أن أصر ترامب خلال المفاوضات التي سبقت الحرب على ضرورة نقل إيران جميع موادها النووية إلى خارج البلاد، طرح هدفًا جديدًا ممثلا في “عدم السماح لإيران بالاقتراب حتى من القدرة النووية”، وأن تكون الولايات المتحدة دائمًا في وضع يمكنها من الرد بسرعة وقوة.
وهذا، في جوهره، هو الوضع الذي كانت عليه الولايات المتحدة بعد أن دفنت البرنامج النووي الإيراني تحت الأنقاض في يونيو الماضي، حيث ظلت المواقع تحت مراقبة أقمار التجسس الأميركية.
ولم يكن هذا هو المسار الذي توقعه ترامب بعد ثلاثة أسابيع من الحرب.
فبحسب قادة أجانب ودبلوماسيين ومسؤولين أميركيين، كان يتوقع في الأسبوع الأول أن تستسلم إيران، وهو ما بدا واضحًا في مطالبته في 6 مارس بـ”استسلام غير مشروط”.
لكن هذا الطلب بدا غريبًا، وفق دبلوماسي أوروبي مخضرم، نظرًا لتركيبة السلطة المعقدة في إيران، واعتزازها القومي، وكونها دولة ممتدة الجذور.
في المقابل، تدرك إيران أن فوضى الأسواق هي “سلاحها الخارق” الأخير، إذ حذرت طهران من إمكانية إشعال منشآت أخرى في الشرق الأوسط.
وتقدر الولايات المتحدة أن إيران دخلت الحرب بنحو 3000 لغم بحري، وتركز على تدمير الزوارق الصغيرة التي تستهدف ناقلات مرتبطة بحلفائها.
وقال الأدميرال جون ف. كيربي، وهو ضابط بحري متقاعد، إن مجرد مرور لغم واحد قد يكفي لشل حركة الملاحة، مضيفًا أن الخوف وحده قد يعطل صناعة الشحن بالكامل.
