العاصفة نيوز/ د. أمين العلياني
في منعطفات التاريخ المصيرية، حيث ترتسم مصير القضايا الوجودية للشعوب على محك التضحيات، ويُختبر الرجال في معركة الوجود لا مجرد المناصب، يقف القيادي الجنوبي اليوم أمام امتحان عسير لا يحتمل التردد. إنه امتحان الإخلاص لمشروعٍ دفع شعب الجنوب من أجله فاتورةً من الدماء لم تُسجَّل في دفاتر العابرين، بل نُقشت بحروف من نار في ذاكرة شعب صارع من أجل استعادة هويته المسلوبة وحريته المغتصبة.
ليس خافيًا أن شعب الجنوب خاض معركة وجودية، رأى فيها خلاصه من هيمنةٍ يمنيةٍ شماليةٍ استطالت لعقود، فجاءت تضحياته قوافلَ من الشهداء والجرحى، لم تكن يومًا هدرًا، بل كانت ثمنًا لاستعادة الإرادة وطرد الاحتلال في ثياب الحوثية والشرعية المنقوصة. ومن هنا، فإن موقع القيادي الجنوبي اليوم في أي تشكيلة حكومية أو قيادية لم يُمنح له لكفاءاته أو شجاعته وحدها، بل هو تمثيل لتلك التضحيات، وهو أمانة في عنقه لا تحتمل المجاملة ولا المناورة.
ولعل ما يثير التأمل والمراجعة، ذلك المشهد الذي تحاول فيه القوى اليمنية، وبغطاء من التحالف السعودي، تمرير استحقاقات سياسية على أنها سلطة يجب على القيادي الجنوبي أن يشغلها، منشغلًا بها عن جوهر مشروعه الوطني. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف لقياديّ جنوبيّ أن ينتقص من إيمانه بمشروعه، ذلك المشروع الذي آمن به شعب بأكمله، وضحّى في سبيله بأغلى ما يملك؟ وكيف لولاءِ لحظةٍ أن يعلوَ على التزامٍ تاريخي، أو لموقع عابرٍ أن يطغى على قضيةٍ هي خلاصةُ وجودٍ؟
ليس أدلّ على هذا المأزق من تلك الأدوات التي باتت تُتخذ مقياسًا للوطنية والانتماء؛ فرفع العلم أو وضع صورة رئيس مجلس القيادة الرئاسي في مكتب القيادي الجنوبي لم يعد مجرد بروتوكول، بل تحول في معادلة بعض الأطراف إلى المعيار الوحيد لإثبات الولاء، وكأنما هوية الجنوب ودماء شهدائه لا تكفي وحدها لتكون سندًا للرجل في موقعه. وهنا تكمن المفارقة: حين تُختزل الوطنية في رموز صورية، يُسلب المشروع الوطني جوهره، وتُفَرَّغ التضحيات من معناها.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: عندما تتقلب المزاج السياسي أو تتبدل التفاهمات الإقليمية، نجد هذا القيادي في موضع محرج، ممزقًا بين رغبات شعبٍ رفع له الراية، وبين سلطةٍ لم تكن يومًا غايةً في ذهن من آمن بقضية الجنوب. يتحول إلى لاهثٍ خلف منصب، متناسيًا أن الكفاءة الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالمنصب الذي يشغله، بل بمدى ثباته على المبادئ التي ضحّى من أجلها الشعب. بل إنّ بعضهم يصل به المطاف إلى أن يرى في تلك المواقع الحكومية أو القيادية المختلطة تكريسًا لوجوده، متناسيًا أنها جاءت نتيجة تراكم نضالي لم يتوقف عند حدود شخصه.
إن غواية السلطة اليوم، في نظر شعب الجنوب الواعي، باتت وصمةً مخزية إن كانت على حساب المشروع الوطني. فمنذ متى كان الصعود إلى مراكز القرار مبررًا للتخلي عن جوهر قضية شعب الجنوب؟ ومتى كان الموقع في مؤسسةٍ هجينة مكافأةً لمن تبرأ من مشروعه الأصلي؟ إنّ المطلوب من القيادي الجنوبي ألا يكون مجرد متلقٍّ لاستحقاقاتٍ تُفرض عليه، بل أن يكون صانعًا للمعادلات، حافظًا للثوابت، لا يفرط في مشروعه مقابل مقعد، ولا يرهن تضحيات الشعب بمزايدات سياسية زائلة.
إن الحاجة اليوم ملحة إلى قيادي جنوبي يدرك بوعي متجذر أن موقعه ليس امتيازًا شخصيًا، بل هو تكليف نضالي وأمانة تاريخية. قيادي يجعل من مشروع الجنوب بوصلته، ومن تضحيات الشعب سنده، لا أن يكون أسير ابتزاز سياسي أو رهان آني. إن واجب القيادي اليوم هو أن يثبت أن وطنيته لمشروعه ليست شعارًا يرفعه في المحافل، بل إيمان راسخ يظهر في كل قرار، وفي كل موقف، وفي كل مرة يُختار فيها بين مصلحة القضية ومغريات السلطة. وعليه أن يدرك أن الشعب الذي صنع المجد بتضحياته قادرٌ على محاكمة من يحيد عن دربه، وأن التاريخ لا يرحم من يبيع قضية باسمها.
فالمعركة لم تنتهِ بعد، وشعب الجنوب الذي دفع الثمن غاليًا، ينتظر من قادته أن يكونوا عند حسن ظنه، لا أن يتحولوا إلى أدوات في مشاريع لا تخدم إلا من يريدون إطالة أمد الهيمنة باسم الحلول المؤقتة. إن الجنوب اليوم بحاجة إلى رجال يزنون الأمور بميزان المبادئ لا بالمكاسب، ويعرفون أن الخلود في التاريخ يكون بالوفاء للدماء الزكية، لا بالزخرف العابر في قصور السلطة.
#الجنوب_واحد_بقيادة_عيدروس
