تواصل الطائرات المُسيّرة الإيرانية منخفضة التكلفة فرض نفسها كأحد أبرز العلامات في الصراع الراهن بالشرق الأوسط، إذ تحوّلت إلى “ورقة غير محسومة” رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت إنتاجها.

وأظهرت صور نشرتها القيادة المركزية الأمريكية استهداف مصنع يُعتقد أنه لتصنيع الطائرات المُسيّرة قرب أصفهان، في خطوة وُصفت بأنها “ضربة كبيرة” للبنية الدفاعية الإيرانية، إلا أن تقارير تحليلية تؤكد أن هذه الضربات لم تكن كافية لوقف الهجمات الإيرانية.

وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، تعتمد طائرات “شاهد” الإيرانية على مكونات تجارية بسيطة ومتاحة، ما يجعل إنتاجها سهلًا ورخيصًا نسبيًا، ويمكن تصنيعها في ورش صغيرة بدلًا من مصانع ضخمة، ومن ثم فإن هذا النمط “اللامركزي” في الإنتاج يجعل من الصعب تتبع مصادرها أو القضاء عليها بشكل كامل.

ويرى خبراء ومحللون في شأن التصنيع العسكري أن هذه البساطة تمثل جوهر المشكلة، إذ تسمح لإيران بمواصلة الإنتاج حتى في ظل القصف، في الوقت الذي تشير التقديرات إلى أن طهران لا تزال قادرة على إطلاق ما بين 70 إلى 90 طائرة مسيّرة يوميًا، رغم تراجع الوتيرة مقارنة ببداية التصعيد.

المفارقة الأبرز تكمن في تكلفة المواجهة؛ إذ لا يتجاوز سعر الطائرة الواحدة نحو 35 ألف دولار، في حين تُستخدم لاعتراضها صواريخ دفاع جوي تُقدَّر بملايين الدولارات، إلى جانب طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية، ما يخلق معادلة استنزاف اقتصادي واضحة.

كما أن سهولة إطلاق هذه المُسيّرات تزيد من تعقيد المواجهة، إذ يمكن نقلها على متن شاحنات مدنية وإخفاؤها بسهولة، ثم إطلاقها من منصات بسيطة، وهو ما يمنح إيران مرونة تكتيكية كبيرة في اختيار أهدافها، خاصة في محيط مضيق هرمز الحيوي.

وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل معضلة رئيسية تتمثل في تقدير حجم المخزون الإيراني من هذه الطائرات، أو قدرتها على إنتاج المزيد، مقابل محدودية مخزونات صواريخ الاعتراض مرتفعة التكلفة.

ماذا نعرف عن المسيرات الإيرانية؟

بدأ البرنامج الإيراني للطائرات المُسيّرة في ثمانينيات القرن الماضي خلال حربها مع العراق، عندما وجدت طهران نفسها تحت وطأة العقوبات ونقص قطع الغيار العسكرية، فبحثت عن بدائل منخفضة التكلفة للقيام بمهام الاستطلاع.

وظهرت أولى النماذج مثل “مهاجر 1” منتصف الثمانينيات، ثم طائرة “أبابيل” بعد ذلك بعام تقريبًا، واستخدمت أساسًا لمراقبة تحركات القوات العراقية. ومع نهاية الحرب، وتحديدًا بعد المواجهة البحرية مع الولايات المتحدة عام 1988، توسعت إيران في الاستثمار بهذا المجال باعتباره أداة مثالية للحرب، تجمع بين الكلفة المحدودة والقدرة على تجاوز التفوق الجوي التقليدي.

وبحسب دراسة للباحث المقيم في معهد “إنتربرايز” الأمريكي، مايكل روبين، اطّلع عليها ” العاصفة نيوز”، فخلال التسعينيات واصلت إيران تطوير هذه المنظومات تحت ضغط العقوبات، فانتقلت من الطائرات البدائية إلى نماذج أكثر تطورًا، مع تحسين أنظمة التحكم وإطالة مدى الطيران، مع محاولات أولية لتسليح الطائرات بدون طيار وتحويلها من أدوات استطلاع إلى منصات قادرة على تنفيذ ضربات محدودة.

ومع نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، دخل البرنامج الإيراني مرحلة التحول النوعي، فابتداءً من عام 2009 كشفت طهران عن نماذج جديدة مثل “كرار”، وتبع ذلك الإعلان عن عدد كبير من الطائرات متوسطة وبعيدة المدى، إضافة إلى تطويرات متقدمة في سلسلة “شاهد”، لتنتقل معها المُسيّرات الإيرانية من مهام الاستطلاع التكتيكي إلى منصات هجومية قادرة على حمل ذخائر موجهة والعمل لمسافات طويلة.

كما ظهرت نماذج انتحارية مثل “رعد-85″، ما عكس تحولًا واضحًا في العقيدة العملياتية الإيرانية نحو استخدام الطائرات بدون طيار كأداة هجومية مباشرة.

22222222222_2_11zon

“شاهد”.. سلاح إيران الرخيص

والآن، ومع الوصول إلى الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، باتت ترسانة الطائرات المُسيّرة الإيرانية تضم اليوم عدة عائلات رئيسية، أبرزها سلسلة “شاهد” التي تشمل نماذج مثل “شاهد-136″، و”شاهد 129″، و”شاهد 191″، إلى جانب عائلة “مهاجر” التي تطورت حتى “مهاجر 6″، فضلًا عن طائرات استطلاع مثل “ياسر” و”معراج”، وطائرات بعيدة المدى مثل “فطرس”، إضافة إلى مُسيّرات انتحارية صُممت لتنفيذ ضربات دقيقة منخفضة التكلفة.

وتقول “نيويورك تايمز” إنه توجد عدة نماذج من طائرات “شاهد”، لكن الأكثر استخدامًا هو طراز “شاهد-136” ذو الجناح المثلث، الذي يُشبه في كثير من النواحي صاروخ كروز بدائيًا وبطيئًا، كما يبلغ عرض الطائرة أكثر قليلًا من 2.4 متر، وطولها نحو 3.7 متر، وتصل سرعتها القصوى إلى حوالي 185 كيلومترًا في الساعة.

ويتم إطلاقها من منصة مثبتة على شاحنة عسكرية أو مدنية، وبعد الإطلاق يمكن أن يصل مداها إلى نحو 2400 كيلومتر، وتعتمد على نظام تحديد المواقع (GPS) لتوجيه رأسها الحربي، الذي يزن حوالي 41 كيلوجرامًا، نحو الهدف، بتكلفة تُقدَّر بنحو 35 ألف دولار للطائرة الواحدة.

وبحلول عام 2024، كان المجمع الصناعي العسكري الإيراني قد أنتج آلاف الطائرات بدون طيار المتقدمة المستخدمة في عمليات المراقبة والاستطلاع والقتال ضد القوات الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وحجزت “شاهد 136” مكانة بارزة خلال الحرب الأوكرانية، إذ أشارت تقارير غربية إلى أن إيران زودت روسيا بكميات كبيرة منها، مستفيدة من مواصفاتها التي تتميز بصعوبة اعتراضها وإحداث أضرار جسيمة عند إصابتها أهدافها، مما جعلها أداة استراتيجية أضافت بعدًا تكتيكيًا في الصراع وعزّزت قدرة روسيا على فرض تأثير على ساحة المعركة.

3333333333_1_11zon

“تقليد” أمريكي

بدوره، ذكر ستيف فيلدستاين، الزميل في معهد كارنيجي للسلام الدولي، أن الولايات المتحدة تعتمد على الطائرات الهجومية ذات الاستخدام الواحد، المستوحاة من نموذج إيران “شاهد 136″، ما يعني أن الابتكار التكنولوجي لا يتدفق في اتجاه واحد فقط من الدول المتقدمة إلى الدول الأقل تقدمًا، بل يبين أن الابتكارات الجديدة تأتي من مصادر متعددة.

وأوضح “فيلدستاين” أن “تصميم المُسيّرة شاهد يبرز أهمية الكفاءة، ببساطة، لأن الولايات المتحدة لا تمتلك موارد غير محدودة، إذ يتم نشر مُسيّرة “لوكاس” بتكلفة حوالي 35 ألف دولار، مقارنة بصواريخ كروز “توماهوك” التي تصل تكلفتها إلى نحو 2.5 مليون دولار لكل صاروخ من النسخ الأحدث، وعلى الرغم من أن صواريخ توماهوك قد تكون أكثر دقة، إلا أن تكلفتها تحد من استخدامها”.

واعتبر أن “هذه الطائرات منخفضة التكلفة تمثل رؤية جديدة في الحروب الحديثة، فالعدد مهم، والتكلفة قد تكون حاسمة، والدقة “الجيدة بما يكفي” يمكن أن تحقق مزايا كبيرة”.

وأطلقت إيران المئات من طائرات “شاهد” بما يفوق الصواريخ الباليستية، لاستنزاف أنظمة الدفاع الجوي لإسرائيل والولايات المتحدة وإلحاق الضرر بدول الخليج، ومع أن معظمها يتم اعتراضه، إلا أن ذلك يتطلب موارد كبيرة من الدفاعات الجوية واستخدام أنظمة الدفاع الجوي الأرضية، التي تُستخدم عادة لاعتراض الصواريخ الإيرانية القادمة، وفق معهد كارنيجي.

44444444444_3_11zon

معادلة “الاستنزاف الاقتصادي”

بدوره، اعتبر الخبير بالشؤون العسكرية والاستراتيجية اللبناني، العميد منير شحادة، في تصريحات ل العاصفة نيوز، أن “إيران تعتمد على الطائرات المسيّرة كأداة حرب غير متكافئة، أي تعويض الفارق التكنولوجي والجوي مع خصوم يمتلكون تفوقاً تقليدياً واضحاً”.

وأوضح “شحادة” والذي سبق أن تولى منصب ممثل الحكومة اللبنانية لدى قوات اليونيفيل، أن إيران تستخدم تلك المسيرات عبر عدة مستويات، أولها الاستطلاع وجمع المعلومات ورصد التحركات والقواعد بدقة، وهجمات الاستنزاف عبر إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات منخفضة الكلفة لإرباك الدفاعات الجوية، إلى جانب “الضربات الدقيقة” عبر استهداف منشآت حساسة (عسكرية أو لوجستية) عبر مسيَّرات انتحارية، انتهاءً بـ”العمل عبر الحلفاء” مثل دعم جهات حليفة في المنطقة بمسيَّرات، ما يخلق تعدد جبهات ويُصعب الرد المباشر.

وأشار إلى أن استخدام هذه الطائرات يجبر الولايات المتحدة وحلفائها على إنفاق غير متناسب على الدفاعات الجوية، مضيفًا: “هذه واحدة من أهم نقاط القوة في هذه الاستراتيجية وأهم نقاط الضعف والإرباك لدى أميركا وإسرائيل، فالطائرة المسيّرة قد تكلف آلاف الدولارات فقط، بينما اعتراضها بصاروخ من أنظمة مثل باتريوت أو القبة الحديدية قد يكلف ملايين الدولارات”.

ووصف هذه الحالة بأنها تخلق “معادلة الاستنزاف الاقتصادي”، إذ يُجبر الطرف المتفوق تكنولوجياً على إنفاق ضخم ومستمر لمواجهة تهديد منخفض الكلفة، كما أن كثافة الإطلاق تُرهق الدفاعات، فبعض المسيَّرات تطير على ارتفاع منخفض، ما يصعب اكتشافها.

وعن أوجه التميز والقصور، أشار “شحادة” إلى أن تلك الطائرات جنبا إلى الصواريخ الباليستية أثبتت قدرتها في اختراق بعض الدفاعات والوصول إلى أهداف حساسة و”فرض ردع جزئي”، لكن في المقابل فنسبة من المسيّرات والصواريخ يتم اعتراضها، ولا تحقق تفوقًا حاسمًا أو تغييرًا جذرياً في ميزان القوى، كما تعتمد جزئياً على عنصر الكثافة لا الدقة فقط.

شاركها.