إن الخطاب الذي قدّمه الدكتور عبد الناصر الوالي إلى الرأي الوطني الجنوبي لا يمكن المرور عليه مرورًا عابرًا، لما يتضمنه من مواقف ومعطيات بالغة الأهمية، تفرض قراءة واعية، هادئة، وعميقة
أتيحت لي فرصة لقاء الدكتور الوالي خلال فترة تولّيه منصب وزير الخدمة المدنية، في جلسة مطوّلة تناولنا فيها تعقيدات المشهد الجنوبي على المستويين السياسي والإداري. ولمست فيه عن قرب سعة الأفق، وعمق الإدراك، ووضوح الرؤية، لا بوصفه مسؤولًا فحسب، بل كفاعل سياسي يحمل همّ قضية وطنية عادلة. لم يكن حديثه يومها خطابًا تقليديًا، بل كان طرحًا جريئًا، يستند إلى وعي عميق بحجم التحديات، وإلى قناعة راسخة بعدالة القضية الجنوبية، وهو ما ينعكس اليوم في مواقفه وتحليلاته، ويجعل من طرحه مادة جديرة بالتأمل الجاد.
لقد حدّد الدكتور بوضوح في خطابه موقع ودور المجلس الانتقالي في المعادلة الراهنة، وهو ما يمنح خطابه بعدًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. فالمجلس الانتقالي كيان وُلد من رحم مرحلة استثنائية، واستمد شرعيته من كونه إطارًا تمثيليًا مرحليًا، لا كيانًا نهائيًا مغلقًا.
ومن هنا، فإن طبيعته الانتقالية حقيقة سياسية، تجعل من انتهاء دوره أمرًا حتميًا، يفرضه منطق المرحلة ذاتها في سياق سياسي وقانوني واضح.وانطلاقًا من ذلك، فإن دور المجلس الانتقالي ينتهي في حالتين : الأولى عند إعلان الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية، بما يفتح الطريق أمام بناء دولة فيدرالية حديثة قائمة على مؤسسات منتخبة تعبّر عن الإرادة الشعبية الحرة.والثانية، في حال التوصل إلى مخرجات حوار جنوبي شامل، تفضي إلى تحقيق الاستقلال في إطار سياسي متوافق عليه، وبضمانات إقليمية ودولية، تكفل انتقالًا منظمًا، وتؤسس لشرعية قانونية معترف بها دوليًا.
أما محاولات ربط القضية الجنوبية بأطراف إقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، فإنها لا تخدم جوهر القضية، نظرا لانعدام الثقة في سلوك الرياض تجاه الجنوب بل تعمّق حالة التشويش وتُخرج النقاش عن مساره الحقيقي.
فالقضية الجنوبية قضية وطنية خالصة، تستند إلى حق تاريخي وسياسي، ولا تُدار وفق حسابات الآخرين أو أجنداتهم. ..إن جوهر القضية يرتبط بما يعتبره الجنوبيون انقلابًا على مشروع الوحدة عقب حرب صيف 1994، وما تبع ذلك من فرض هيمنة بالقوة، وهو واقع لم يعد مقبولًا أو قابلًا للاستمرار. كما يُنظر إلى إعلان فك الارتباط في 21 مايو 1994 كمرجعية وطنية تعبّر عن رفض هذا الواقع، وإرادة صريحة لاستعادة الدولة.
لقد تحولت القضية الجنوبية إلى مشروع وطني متكامل، لا يحتمل التردد ولا التجزئة، بل يتطلب وضوحًا في الرؤية، وانضباطًا في المواقف، وصرامة في مراجعة الأدوات، وجرأة في اتخاذ القرار.
وفي هذه المرحلة المفصلية، لم يعد مقبولًا أن تُستنزف طاقات الجنوبيين في صراعات جانبية أو حسابات ضيقة، فالقضية أكبر من الأفراد والتيارات، وأسمى من المصالح اللحظية.
إن الجنوب اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية: إما أن يثبت وحدته ويُحسن إدارة مشروعه الوطني، أو يظل رهينة التشتت والاصطفافات. والحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن هذا المشروع لن ينتصر إلا بإرادة شعبه، ووحدة صفه، وصدق قيادته مع تطلعاته.
