في لحظة سياسية دقيقة تتشابك فيها تعقيدات الداخل مع ضغوط الإقليم، عاد الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي إلى واجهة المشهد من بوابة الاتصالات السياسية المكثفة مع قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي في الداخل والخارج، واضعًا بذلك ملامح مرحلة جديدة تتسم بالحركة والنشاط وإعادة ترتيب الأولويات.
وإن في هذه العودة لم تأتِ كخطوة اعتيادية عقب توقف نتيجة الأحداث الأخيرة بل بدت كتحول مدروس يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة، وحاجة الجنوب إلى قيادة حاضرة تدير التوازنات بحذر وتتحرك بمرونة في بيئة سياسية متغيرة.
كما تكشف هذه الاتصالات التي أجراها الرئيس الزبيدي، في مضمونها وتوقيتها، عن توجه واضح نحو إعادة التموضع السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي، حيث تسعى القيادة إلى استيعاب المتغيرات الإقليمية المتسارعة، التي ألقت بظلالها على المشهد اليمني عمومًا، والجنوب على وجه الخصوص. فالتصعيد الإقليمي وما يحمله من احتمالات مفتوحة، فرض على الفاعلين إعادة قراءة المشهد، وهو ما يفسر تحرك الزُبيدي لإعادة تنشيط قنوات التواصل مع مختلف القيادات، في محاولة لصياغة موقف موحد يستند إلى رؤية استراتيجية قادرة على حماية مكتسبات الجنوب وتعزيز موقعه في أي معادلة سياسية قادمة.
وفي سياق متصل، برز ملف حوار الرياض كأحد المحاور الرئيسية التي حظيت باهتمام القيادة، في ظل تزايد المؤشرات على ضرورة مراجعة مسارات التفاوض وتقييم نتائجها .. ويبدو أن المجلس الانتقالي، من خلال هذه التحركات، يسعى إلى تثبيت حضوره كطرف أساسي لا يمكن تجاوزه، مستفيدًا من تماسك قاعدته الشعبية ومن قدرته على إدارة التوازن بين العمل السياسي والجاهزية الميدانية، وهو ما يمنحه هامشا أوسع للمناورة في ظل تعقيدات المشهد.
ولم تقتصر ملامح المرحلة الجديدة على الحراك السياسي فقط، بل امتدت لتشمل ترتيبات داخلية تعكس توجهاً نحو إعادة بناء وتحديث هياكل المجلس الانتقالي، بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
كما ان التوجه نحو إعادة الهيكلة لا يُقرأ كإجراء تنظيمي فحسب، بل كخطوة استراتيجية تهدف إلى رفع كفاءة الأداء وتعزيز الانسجام بين مختلف الهيئات، بما يضمن جاهزية أكبر للتعامل مع التحديات السياسية والعسكرية على حد سواء.
وفي هذا الإطار، تبدو القيادة حريصة على تطوير أدواتها المؤسسية بما يعزز من قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه بفاعلية.
ويأتي هذا الحراك السياسي في ظل تأكيد متكرر من الرئيس الزُبيدي على أهمية توحيد الصف الجنوبي وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، باعتبار ذلك الركيزة الأساسية لأي تقدم سياسي أو ميداني. فالتحديات التي تواجه الجنوب، سواء كانت سياسية أو أمنية، تتطلب درجة عالية من التنسيق والاصطفاف، وهو ما يجعل من وحدة الصف أولوية لا تحتمل التأجيل، خصوصًا في ظل محاولات مستمرة لإرباك المشهد الداخلي.
و مع هذه التحركات التي اجراها الرئيس الزبيدي، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلاً لافتًا من قبل ناشطين وصحفيين جنوبيين، الذين رأوا في عودة الزُبيدي إلى واجهة المشهد مؤشرا على دخول مرحلة أكثر حيوية. وفي هذا السياق، كتب الصحفي الجنوبي صلاح بن لغبر أن “عودة الرئيس الزُبيدي لتحريك المشهد في هذا التوقيت تعكس قراءة دقيقة لطبيعة المرحلة”، مشيرًا إلى أن الجنوب بحاجة إلى قيادة مبادرة قادرة على التعامل مع التحديات.
من جانبه، اعتبر الناشط السياسي هاني مسهور أن تحركات الزُبيدي “تؤكد أن الانتقالي ماضٍ بثبات نحو تحقيق تطلعات شعب الجنوب”،
فيما أشار الإعلامي ياسر اليافعي إلى أن استئناف الاتصالات مع القيادات يمثل خطوة مهمة لإعادة ترتيب الأوراق في مرحلة مفصلية.
حيث يمثل هذا التفاعل، في جوهره، حالة من الالتفاف الشعبي والإعلامي حول قيادة المجلس الانتقالي، ويؤكد أن الزخم السياسي للقضية الجنوبية لا يزال حاضرًا بقوة، بل وقادرا على التفاعل مع مختلف المتغيرات.
كما يكشف عن إدراك واسع لدى الشارع الجنوبي بأن المرحلة القادمة قد تحمل تحولات كبيرة، تتطلب حضورا قياديًا فاعلًا ورؤية واضحة المعالم.
كما إن عودة الرئيس الزُبيدي إلى واجهة المشهد عبر بوابة الاتصالات السياسية تمثل أكثر من مجرد نشاط مرحلي، بل تعكس بداية لمرحلة إعادة تموضع شاملة يسعى من خلالها المجلس الانتقالي إلى تعزيز حضوره سياسيا وتنظيميا، والاستعداد لمواجهة استحقاقات قد تكون حاسمة في مسار القضية الجنوبية. وبين تعقيدات الواقع وفرص التحول، يقف الجنوب أمام مفترق طرق، تبدو فيه القيادة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتحويل هذا الحراك إلى نتائج ملموسة تقترب من تطلعات شعبه في استعادة دولته كاملة السيادة.
