لم يعد الحصار الأمريكي على كوبا مجرد أرقام اقتصادية، بل تحول إلى “حكم بالإعدام” يُطارد أطفال الجزيرة في غرف العناية المركزة. فمع نفاذ وقود المولدات وانقطاع الكهرباء، تواجه الدولة الواقعة في أمريكا الشمالية بمنطقة الكاريبي انهيارا صحيا غير مسبوق، حيث الصيدليات خاوية والمستشفيات عاجزة، في مأساة إنسانية جعلت من شعار “الرعاية للجميع” ذكرى بعيدة أمام واقع يفرضه حصار يخنُق الأمل في الشفاء.
حياة مُعلّقة بسلك كهرباء
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، تقريرا مؤثرا يُسلّط الضوء على المأساة الإنسانية في كوبا، حيث يواجه “خورخي ألفاريز” (21 عاما)، المصاب بمرض جيني يمنع رئتيه من العمل، خطر الموت الوشيك. فجهاز التنفس الاصطناعي الذي يُبقيه حيا يعتمد كليا على بطارية شحن لا تجد وقتا كافيا للامتلاء بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء. تقول والدته بمرارة: “حياته تعتمد على الكهرباء، ولا أعرف إلى متى يمكننا الاستمرار”.
شلل المنظومة الصحية والوفيات المنسية
أدى حصار النفط الأمريكي إلى استنزاف إمدادات الوقود، ما تسبب في شلل تام للمؤسسات الصحية التي كانت تُعد يوما فخرا للدولة.
وأكد ستة أطباء كوبيين للصحيفة الأمريكية، أن تدهور الأوضاع في المستشفيات يتسبب في “وفيات كان يمكن منعها”.
ويقول الدكتور أليوث فرنانديز، رئيس أطباء التخدير في أكبر مستشفى للأطفال في هافانا: “لا أستطيع تحديد عدد الوفيات بدقة، لكنني متأكد أنها أكثر من العام الماضي؛ أرى ذلك في عيون زملائي وفي الأطفال الذين أجريت لهم عمليات جراحية”.

مستشفيات بلا وقود وأدوية
يرسم التقرير صورة قاتمة للواقع الميداني:
جراحات ملغاة: المستشفيات تُعيد المرضى لبيوتهم لعدم قدرة الأطباء على الوصول للعمل بسبب أزمة النقل.
سيارات إسعاف متوقفة: السائقون لا يجدون البنزين، بينما وصلت أسعار الوقود في السوق السوداء إلى 40 دولارا للجالون.
مخازن خاوية: توقف إنتاج الأدوية واللقاحات لأن المصانع تعمل بالديزل، والصيدليات باتت رفوفها خالية تماما.
تهديد اللقاحات: مخزونات اللقاحات المبردة مهددة بالتلف بسبب غياب التبريد المستمر.

أرقام صادمة وتراجع تاريخي
كشفت “نيويورك تايمز” عن تراجع مخيف في المؤشرات الصحية الكوبية التي كانت تُضاهي الدول المتقدمة:
وفيات الرضع: ارتفع المعدل من 4 حالات لكل 1000 ولادة في 2018 إلى 10 حالات في 2025 (ضعف المعدل في أمريكا).
قوائم الانتظار: 96,400 مريض ينتظرون عمليات جراحية، وأكثر من 30,000 طفل تأخرت لقاحاتهم.
مرضى الفشل الكلوي والسرطان: 20,000 مريض يعانون من عدم انتظام جلسات الغسيل الكلوي والعلاج الإشعاعي.

مفاضلة بين الموت والحياة
يصف بول شبيجل، خبير الصحة العامة في جامعة “جونز هوبكنز”، الوضع بأنه “متطرف وليس مجرد أزمة عابرة”، حيث يضطر الأطباء للمفاضلة بين المرضى (نظام الترياج) تماما كما يحدث في مناطق الحروب مثل “غزة وأوكرانيا”.
وفي غرف العناية المركزة، يضطر الممرضون لاستخدام “المضخات اليدوية” لإبقاء الأطفال حديثي الولادة على قيد الحياة عند انقطاع الكهرباء وتوقف المولدات.

أزمة غذاء وهجرة الكوادر
لم تقتصر الأزمة على الدواء، بل شملت “الغذاء”؛ حيث ارتفعت معدلات سوء التغذية بين الحوامل والأطفال لغياب الحليب والمكملات الغذائية.
وتؤكد الدكتورة روكسانا رودريجيز، أن راتب الطبيب الكوبي بالكاد يكفي لوجبة إفطار، حيث يُعادل نحو 13 دولارا شهريا، ما دفع الكثير من الكوادر الطبية لترك المهنة أو الهجرة خارج الجزيرة.

أمل في الأفق الروسي
بينما حذّر الرئيس الكوبي ميجيل دياز كانيل، من أن الأسوأ لم يأتِ بعد، تترقب كوبا وصول ناقلة نفط روسية مطلع الأسبوع المقبل، كطوق نجاة مؤقت لمنظومة الطاقة المنهارة، في ظل استمرار الحصار الذي تصفه “نيويورك تايمز” بأنه الخنق الأقسى الذي تتعرض له الجزيرة منذ عقود.
وبين انتظار ناقلة نفط روسية وأمل في “معجزة طبية”، تظل حياة آلاف الكوبيين مُعلّقة بخيط رفيع وسط عتمة الحصار الأمريكي. ففي مستشفيات هافانا، لا يزال الممرضون يضغطون يدويا على مضخات الهواء لإبقاء الرضع أحياء، في معركة يومية تُثبت أن فاتورة السياسة يدفعها الصغار أولا من أنفاسهم الأخيرة.
