في أكتوبر من العام الماضي، تلقيت اتصالًا من أحد شباب الصبيحي، يسكن في منطقة العند بمحافظة لحج، يسألني إن كان بالإمكان ترتيب لقاء مع الأخ عبدالرحمن شاهر، لأن لديه ملفًا ويريد الحصول على أرضية ضمن أراضٍ صُرفت في العند بإشراف جمعية إخوانية ممولة من إحدى الدول الإقليمية.
كان يسرد حديثه، بينما كنت أفكر: من هو هذا “عبدالرحمن شاهر”؟ فقاطعته وسألته: من هذا؟
قال: سأرسل لك صورته الآن. أرسل صورته وأتبعها برسالة صوتية مدتها نحو خمسين ثانية، كان مضمونها أنه يريد تقديم ملفه للحصول على أرضية.
سألته عن صفته، فقال: هو مندوب جمعية متخصصة في صرف الأراضي للشباب في العند ومحافظة لحج بشكل عام.
الطريف في الأمر أن الصورة التي أرسلها لي كانت له وهو يرأس اجتماعًا للأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي.
قلت له: هذا معروف. أبشر بعزك.
في اليوم التالي ذهبت إلى الأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي تلبية لطلب هذا الشاب الذي استعان بي، لكن لسوء الحظ لم يكن شاهر موجودًا، إذ كان في نزول ميداني. فأخبرت هذا الصديق بأنه غير موجود، وأنني سأحاول اللقاء به في اليوم التالي.
اعتذر الشاب وشكرني على ما قمت به، وخلال الحديث قال عبارة تضمنت تصنيفًا على تيار سياسي عابر للحدود، لكنني لم أهتم كثيرًا بما قاله، وافترضت أن لديه خلافات مع ذلك التيار.
بعد أيام التقيت بشاهر، لكنني اكتفيت بالسلام عليه فقط.
وفي وقت لاحق سألت قياديًا سابقًا في المجلس الانتقالي الجنوبي ووزيرًا حاليًا: من هو عبدالرحمن شاهر الصبيحي؟
كانت الإجابة أنه مقرب من اللواء محمود الصبيحي، وأن تعيينه أمينًا عامًا للمجلس جاء ضمن عرض قدمه عيدروس الزبيدي لمحمود الصبيحي بأن يرشح شخصية لشغل منصب الأمين العام، فتم تعيينه بعيدًا عن بقية الاعتبارات.
مضت الأيام، وبدا الأمر حينها واقعة عابرة، لكن مع تطورات لاحقة بدأت ملامح دور مختلف للرجل تتكشف. وظلت عبارة ذلك الشاب الصبيحي عالقة في ذهني، إلى أن تم حل المجلس الانتقالي بقرار سعودي، وهو القرار الذي يرى كثير من أبناء الجنوب أنه لا يعدو كونه محاولة لضرب الجنوب عبر قيادات واقعة تحت الإقامة الجبرية.
لكن يبدو أن شاهر كان قد التحق بالعمل ضمن اللجنة الخاصة السعودية، وأُرسل إلى عدن لاستمالة بعض الشخصيات الجنوبية لصالح المشروع السعودي التقسيمي.
ووفق معلومات متداولة في أوساط سياسية، قدم شاهر عروضًا لبعض الشخصيات تضمنت امتيازات مالية مقابل حضورها إلى الرياض. غير أن بعض القيادات سألته عن طبيعة المشروع السعودي للجنوب، فأحال الأمر إلى ما سيتفق عليه الجنوبيون في الحوار الجنوبي المزمع عقده في الرياض بعد هدوء الصراع الإقليمي المتصاعد.
وعقب عودته كتب شاهر تدوينة على فيسبوك ومنصة “إكس” هاجم فيها الجنوبيين، أو بشكل أدق بعض قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، واصفًا إياهم بـ”المزايدين”. وبحسب طرحه، فإن المزايدة تعني كل من يرفض الهيمنة السعودية.
فالسعودية، كما يراها شاهر، ليست سوى موجهات يشرف عليها محمد بن عبيد القحطاني. وهي – وفق هذا الطرح – ليست حريصة على الجنوب بالمعنى الذي حاول تسويقه في تدوينته، التي قام لاحقًا بحذفها بعد أن أثارت جدلًا واسعًا، وإن بقيت متداولة في بعض المنصات الإلكترونية الممولة سعوديًا.
وتشير الوقائع إلى أن السعودية، عبر شاهر والخبجي وأسماء أخرى كانت للأسف ضمن قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي، تسعى إلى تبييض مشروع تقسيم الجنوب الذي يجري بوتيرة متسارعة.
ففي عدن، أنشأت السعودية كيانًا انفصاليًا أطلقت عليه “مجلس عدن” وصممت له علمًا خاصًا، على غرار علم محافظة حضرموت. أما في حضرموت، فقد قطعت الرياض شوطًا كبيرًا – أو هكذا يعتقد السعوديون – إذ أصبح الرجل الذي اختارته محافظًا لحضرموت وعضوًا في مجلس القيادة الرئاسي أداة في صراع سياسي ضد عدن وبقية المناطق.
ويبدو أن الرياض تعيد إنتاج أزمة جديدة في محاولة لتدارك تصعيد الحوثيين عسكريًا في مواجهة إسرائيل. فقد كانت المملكة تقدم هبات على شكل مساعدات مالية هدفها شراء هدنة هشة مع الحوثيين، لكن مع تعثر تصدير النفط وحصول جماعة الحوثي على ما يقارب 80% من الموارد، في ظل العمليات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، خرج سالم الخنبشي مهددًا بقطع المشتقات النفطية عن كهرباء عدن، رغم أن السعودية كانت قد أعلنت سابقًا شراء هذه المشتقات عبر منحة مليار دولار قدمت دعمًا للحكومة القائمة.
في المقابل، صعّد الحوثيون من هجماتهم، ويبدو أن رسالة مهدي المشاط الأخيرة رسمت بداية مرحلة توتر جديدة مع السعودية، التي باتت اليوم مسؤولة بدرجة كبيرة عن تعقيدات المشهد في اليمن والبحر العربي وباب المندب.
وحتى لو فكرت الرياض في استئناف الحرب ضد الحوثيين عبر قوات العمالقة أو أي قوات جنوبية أخرى، فإنها ستواجه رفضًا شعبيًا واسعًا، ولن يكون من السهل الزج بقوات جنوبية في مواجهة جديدة.
كنت بصدد تفكيك تصريحات عبدالرحمن شاهر، لكن النص الذي كتبه لم يكن يحتاج إلى جهد كبير في التحليل؛ فقد كشف بنفسه طبيعة المهمة التي كُلف بها، حين أُرسل إلى عدن في مهمة انتهت بالفشل، وهو ما يفسر حذفه للتدوينة التي بدت مرتبكة، وربما نُشرت دون تنسيق مسبق مع الجهات التي تقف خلفه.
خلال الأسابيع الماضية، وتحديدًا منذ بداية فبراير، حاولنا تجنب الحديث عن أي مسؤول أو قيادي جنوبي، لكن البيانات والمواقف الأخيرة تفرض علينا تناول كل شخصية وفق تصريحاتها ومواقفها، لنقول للرأي العام في الجنوب: هذه هي المشاريع، وهذه هي المواقف.
ونصيحة لكل شخصية جنوبية – مسؤولة كانت أو غير مسؤولة – إن الترويج للمشروع السعودي في هذه الظروف يضعكم في موضع لا نريده لكم. فالترويج لوجود خلافات جنوبية – جنوبية يكشف في الحقيقة عن مشروع يسعى إلى خلق انقسامات داخلية.
فتاريخ الحراك الجنوبي منذ عام 2007 واضح ولا يحتاج إلى نقاشات عبثية حول قضية يعترف العالم بأنها نتاج حرب 1994، التي لم تُعالج آثارها حتى اليوم.
لكن تصريحات ومواقف بعض الشخصيات، مثل عبدالرحمن شاهر، تدفعنا للتساؤل عن المعايير التي اعتمدتها قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي لاختيارهم.
وفي هذا السياق يبرز سؤال مهم: لماذا لم تدعُ السعودية إلى حوار شمالي – شمالي بين مختلف القوى اليمنية، بما فيها الحوثيون؟
كان الأجدر بالرياض – ولو كبادرة حسن نية تجاه الجنوب – أن ترعى حوارًا شماليًا بين القوى اليمنية المختلفة، لمعالجة الانقسامات القبلية والمذهبية والمجتمعية في شمال اليمن، والتوافق على شكل الدولة والنظام السياسي في صنعاء أو مأرب أو تعز.
ولم نرَ أيًا من القيادات اليمنية المقيمة في الرياض تستخدم المصطلحات التي استخدمها عبدالرحمن شاهر حين وصف زملاءه بالمزايدين.
فحين تلتزم السعودية بما أعلنته من توفير الخدمات وصرف المرتبات وإعادة الإعمار وتنفيذ المرحلة الثالثة من تطوير مطار عدن الدولي، عندها فقط يمكن الحديث عن المشروع السعودي.
أما قبل ذلك، فإن الواقع يقول إنكم لا تملكون حتى حرية الحركة، وأن وجودكم لا يتعدى كونه غطاءً سياسيًا لتمرير مشاريع تقسيمية. فالقوات التي يقال إنكم حافظتم عليها من الضربة السعودية قد تم تفكيكها وإعادة تسميتها، ويجري فصل جنود منها لأسباب مناطقية، بدعوى أنهم ينتمون إلى الضالع وردفان.
#صالح_أبوعوذل
.
