من شواهق قلعة “ألموت” المنيعة قبل 8 قرون، صاغ حسن الصباح، زعيم فرقة “الحشاشين”، دستوره العسكري الأول. واليوم، يعيد التاريخ إنتاج مفارقته القاسية في قلب حرب إيران؛ حيث تجد طهران نفسها في مواجهة مباشرة مع تفوق تكنولوجي وعسكري أمريكي كاسح يختزل المسافات والتحصينات، لكنها تصطدم بواقع أكثر مرارة من حقبة “ألموت”، يتمثل في انهيار شبه كامل لهرم القيادة وتدمير قطاع كبير من بنيتها التحتية العسكرية.

وفي ظل هذا العجز للآلة العسكرية التقليدية، يحذر خبراء ومراكز أبحاث دولية من أن التهديد الوجودي الذي تواجهه قيادة الجمهورية الإسلامية قد يدفع الحرس الثوري للعودة إلى نهج “شيخ الجبل” لإدارة الصراع بين إيران وأمريكا، إذا ما وصلت إلى مرحلة الانهيار الأخير.

الإسقاط العملياتي: الحرس الثوري كـ”تنظيم شبحي”

يرى الخبراء أن إيران، مع تآكل قدراتها العسكرية التقليدية، تنتقل من كونها “دولة إقليمية” ذات جيش نظامي إلى “تنظيم متمرد عابر للحدود”، وهو ما يطابق فلسفة حسن الصباح في الاحتماء بـ”خلايا” عقائدية صلبة بدلا من الجيوش المكشوفة.

ويشير تحليل لمجلة “فورين أفيرز” في 24 مارس الجاري، إلى أن طهران في حالة “الخطر الوجودي” قد تسقط كافة الخطوط الحمراء الدبلوماسية وتلجأ لـ”الحرب غير المقيدة”، حيث يُمنح القادة الميدانيون تفويضا بشن هجمات “انتحارية” أو “انتقامية” دون انتظار أوامر مركزية، في استنساخ لنظام “القلاع المستقلة” التي كانت تتحرك بمجرد شعورها بتهديد للمركز.

حرب إيران.. اللجوء لـ”المنطقة الرمادية”

أدى التفوق الجوي والبحري الأمريكي الساحق إلى إجبار الحرس الثوري على التخلي عن العقيدة العسكرية التقليدية، والتحول نحو “حرب العصابات اللامركزية” كخيار وحيد للصمود في حرب إيران.

وفي دراسة معمّقة لمايكل أيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” نشرتها جامعة الدفاع الوطني التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون”، يتبين أن طهران تتبنى فلسفة قتالية ترى النزاع كـ”سلسلة متصلة” بين السلم والحرب، مما يطابق فكر حسن الصباح في إدارة صراع دائم يتجنب المواجهة الجبهوية المكشوفة.

ووفقا لأيزنشتات، تعتمد هذه الاستراتيجية على “إدارة الغموض والصبر” والعمل التدريجي لإبقاء العدو في حيرة، حيث يُقاس النجاح بالنقاط لا بالضربة القاضية.

اقرأ أيضا: “اللغم الجيو-اقتصادي”.. ماذا لو فعّل الحوثيون “المشاركة القصوى” في حرب إيران؟

ويشير الباحث، إلى أن هذا الأسلوب غير المتكافئ نابع من حرص متأصل في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية على تجنب “الحرب الشاملة” التي تهدد بقاء النظام، وهو إرث مستمد من جراح حرب العراق؛ إذ يمنح هذا النهج طهران ميزة نسبية في تشكيل البيئة الاستراتيجية وبسط النفوذ دون الوصول إلى عتبة المواجهة المباشرة التي تدرك أنها ستخسرها عسكريا أمام أمريكا.

وفي إعلان سياسي لنجاح هذا التحول نحو “اللامركزية المنسقة”، أعلن إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، في منشور على منصة “إكس”، أن “غرفة العمليات الحربية للمقاومة موحدة”، مؤكدا أن “أمنية قادة المقاومة قد تحققت” في صياغة “نظام جديد في المنطقة” يجب على العالم التعود عليه.

يثبت هذا التصريح أن تدمير الهياكل التقليدية لم يفكك الارتباط بالوكلاء، بل حولهم إلى أداة لفرض واقع جيوسياسي جديد يعتمد على “توازن الرعب” بدلا من موازين القوى العسكرية التقليدية، مما يجعل من كل وحدة ميدانية “خنجرا مستقلا” يعمل ضمن استراتيجية الظلال الكبرى.

“ألموت 2026”.. التحصن تحت الأرض والقلاع العابرة للقارات

مثلما كانت قلاع “الحشاشين” الجبلية حصونا منيعة يصعب إخضاعها، أنشأ الحرس الثوري منظومة ردع مادية تعوض نقص التفوق التكنولوجي في المواجهة بين إيران وأمريكا.

يوضح مايكل أيزنشتات، في دراسته المنشورة عبر جامعة الدفاع الوطني، أن طهران تعتمد على شبكات معقدة من “المخابئ المحصنة تحت الأرض” أو ما يُعرف بـ “المدن الصاروخية”، والتي تُمثل التجسيد الهندسي لسراديب قلعة ألموت؛ حيث تضمن هذه المنشآت المحفورة في أعماق الجبال حماية القدرات الحيوية من القصف الجوي الأمريكي، مما يجبر الخصم على خيار “الغزو البري” المكلف استراتيجيا في حرب إيران.

يتسع نطاق هذا التحصين ليشمل “العمق الاستراتيجي العابر للحدود”؛ حيث يشير تقرير لـ”مركز المخا للدراسات الاستراتيجية” إلى أن إيران توظف الجماعات التابعة لها كـ”قلاع متقدمة” في إطار “حروب الجيل الرابع”.

تعمل هذه الجماعات كدروع حيوية تسمح لطهران بخلق بيئة من الفوضى المشتتة للجيوش النظامية، تماما كما زرع الحشاشون قلاعهم في أرجاء ممالك الأعداء لإنهاكهم بعيدا عن المركز.

ولم يعد هذا التمدد محصورا إقليميا؛ إذ كشفت وكالة “رويترز” البريطانية عن بناء إيران لـ”قلاع بعيدة” في أمريكا اللاتينية وتحديدا في بوليفيا، عبر مذكرات تفاهم دفاعية توفر “إنكارا معقولا” لتواجد عناصر الحرس الثوري قرب الحدود الأمريكية تحت غطاء “التعاون الفني”، في استنساخ لتكتيك الحشاشين في التسلل بزي التجار والزهاد إلى عواصم الخصوم.

وفي ظل هذا التموضع الجغرافي المعقد، يشدد أفشار سليماني السفير الإيراني السابق لدى أذربيجان، في تصريحات خاصة لـ” العاصفة نيوز”، على أن أي محاولة أمريكية للاستيلاء على جزيرة “خرج” أو أي جزء من السيادة الإيرانية ستٌواجه برد فعل شامل يفعل كافة أوراق “المقاومة” العابرة للحدود.

ويحذر سليماني، من أن إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مثل هذا “الخطأ الاستراتيجي” سيعرض حياة جنوده لخطر غير مسبوق، وسيجره للانخراط في حرب استنزاف طويلة الأمد في المنطقة، ستكون تبعاتها الأمنية والاقتصادية أبعد بكثير مما يشهده العالم اليوم في ظل تصاعد الصراع بين إيران وأمريكا.

عودة “الفدائيين”.. حرب الترددات والاغتيالات العابرة للحدود

يُمثل تكتيك الاغتيالات الموجهة الركيزة الأكثر رعبا في إرث “الحشاشين”، وهو النهج الذي ترى مجلة “فورين أفيرز” أن طهران قد فعّلته كـ “سلاح يأس” ردا على التهديد الوجودي؛ حيث انتقلت من “الصبر الاستراتيجي” إلى “اليأس الهجومي” عقب مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي.

ويكشف التقرير عن تفعيل “الوحدة 400” التابعة لفيلق القدس بمهام محددة لشن هجمات داخل الولايات المتحدة، بالتنسيق مع “الوحدة 3900” التي تدير العمليات المشتركة مع حزب الله بالخارج، مراهنة على أن “ضربة واحدة بضحايا جماعية” ستجعل التكلفة السياسية لحرب إيران باهظة على إدارة ترامب.

وفي تطور استخباراتي يعكس أساليب “شيخ الجبل” في إرسال الأوامر المشفرة، أفادت شبكة “أيه بي سي نيوز” بأن الولايات المتحدة اعترضت إشارات بث مشفرة عبر “ترددات لاسلكية” نشأت في إيران، وصفتها التقارير بأنها “محفز تشغيلي” لتفعيل خلايا نائمة موجودة مسبقا خارج البلاد.

هذا التكتيك الذي يتجنب الإنترنت وشبكات الهاتف، يضمن “الإنكار المعقول”؛ حيث تكشف دراسة “المركز الدولي لمكافحة الإرهاب” في لاهاي، وتقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي”إف بي آي”، عن تحول استراتيجي يتمثل في “تعهيد العنف” لشبكات الجريمة المنظمة والمافيا في أوروبا الشرقية لتنفيذ عمليات “قتل مقابل أجر”، مثل محاولة استهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجون بولتون ثأرا لمقتل قاسم سليماني القائد السابق ليفلق القدس، وفقا لقضايا وثقتها وزارة العدل الأمريكية.

وتتطابق هذه التحركات مع “حرب الرموز” التي اشتهر بها أتباع حسن الصباح؛ إذ يوثق مشروع “بيانات مواقع النزاع (ACLED) ” ظهور خلايا نائمة مرتبطة بإيران في ألمانيا وقبرص والمملكة المتحدة، تنتهج “الردع الهجين” عبر استهداف المعارضين والرموز السياسية.

وتتسع هذه المظلة لتشمل “خيار الوطن”؛ حيث حذرت نشرة سرية للـ”إف بي آي” من طموح طهران لاستخدام مسيّرات تُطلق من سفن في البحر لاستهداف كاليفورنيا.

وفي رؤية تتقاطع مع استراتيجية “الدعوة الجديدة”، يتوقع مصدق بور، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية، في تصريحات خاصة لـ”مصرتوي”، ولادة “مقاومات جديدة” عابرة للجغرافيا تمتد من العواصم العربية لقلب أوروبا تحت راية “رفض الهيمنة”، مما يحول كل خلية نائمة إلى “خنجر مسموم” في قلب دار العدو في ظل المواجهة المفتوحة بين إيران وأمريكا.

الولاء الأعمى وعسكرة العقيدة.. “خنجر” اليورانيوم الأخير

تكمن القوة الحقيقية لفرقة “الحشاشين” تاريخيا في “عقيدة الطاعة المطلقة” لشيخ الجبل، وهو النموذج الذي يرى الخبراء أن الحرس الثوري الإيراني قد استنسخه عبر منظومة تعليمية وثقافية تهدف لغرس “ثقافة الاستشهاد” في مقاتليه.

وتوضح دراسة لـ”معهد توني بلير للتغيير العالمي“، أن الحرس الثوري يتبنى أيديولوجيا توسعية عابرة للحدود، ترتكز على مبدأ “الولاية المطلقة” التي تحول الأوامر العسكرية إلى واجبات دينية مقدسة لا تقبل الجدل، مما يخلق جيلا من “الفدائيين الجدد” يمتلك استعدادا مطلقا للموت، وهو السلاح الذي تراهن عليه طهران لتعويض فارق التكنولوجيا العسكرية في حرب إيران وأمريكا.

وفي ذروة هذا السيناريو الوجودي، يتحول الطموح النووي إلى “خنجر مسموم” يخبئه النظام تحت عباءته؛ حيث حذرت وكالة “بلومبرج” من حيازة طهران لأكثر من 440 كيلوجراما من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو مخزون كافٍ نظريا لصنع “قنابل نووية بدائية” في حال انهيار هياكل الجمهورية الإسلامية.

ويحذر خبراء الأمن القومي عبر ” العاصفة نيوز” من سيناريو “الكأس المفقودة”؛ إذ قد يؤدي الفراغ الأمني الناتج عن أي غزو بري إلى تسرب هذا المخزون إلى أيدي ميليشيات إرهابية، ليتحول التهديد من صراع إقليمي إلى “رعب نووي” عابر للحدود يضرب العواصم الغربية، في تكرار حرفي لتسلل الحشاشين لقصور أعدائهم بأسلحة غير تقليدية.

اقرأ أيضا: القنبلة القذرة والكأس المفقودة.. لماذا يحذر الخبراء من توغل بري في إيران؟

وعلاوة على ذلك، فإن الغزو البري لمنع إيران من امتلاك القنبلة قد يحمل تأثيرا عكسيا؛ حيث يرى الخبراء أن علماء إيران المتبقين في منشآتهم المحصنة قد يتخذون “قرارا يائسا” بتجميع عبوة نووية سريعة قبل وصول القوات الأمريكية، كخيار “هدم المعبد” الذي اشتهرت به الجماعات العقائدية المحاصرة.

عقيدة “البقاء” والنصر الأخلاقي: حين تصبح النجاة سلاحا

في رؤية تعمق الإسقاط التاريخي على صمود قلعة “ألموت”، يشير تحليل آخر لمجلة “فورين أفيرز” إلى أن طهران، في ظل إدراكها لعدم القدرة على حسم المواجهة عسكريا أمام واشنطن وتل أبيب، تبنت هدفا استراتيجيا بسيطا وهو “البقاء”.

ويرى التقرير أن نجاح النظام في الصمود بعد انتهاء الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة، سيعتبره الحرس الثوري “نصرا أخلاقيا” حاسما، مدعيا التفوق في وجه اثنين من أقوى جيوش العالم، تماما كما فعل حسن الصباح حين حول مجرد بقاء قلعته تحت الحصار السلجوقي إلى أسطورة لكسر هيبة الإمبراطورية.

وتؤكد المجلة أن القوة الجوية الأمريكية، رغم كثافتها، لا تكفي للقضاء على العناصر البشرية والعقائدية متمثلة في الحرس الثوري والباسيج، التي أظهرت وحدة وصمودا خلال حرب إيران.

ووفقا للجملة، يعيد هذا الصمود “الميداني” إنتاج تجربة حرب الثمانينات مع العراق، حيث استغل الحرس الثوري الكارثة البشرية لترسيخ نفوذه السياسي وقمع المعارضة، محولا “الحصار” إلى أداة لشرعنة السلطة المطلقة، وهو ذات الأسلوب الذي اتبعه “شيخ الجبل” في تحويل الضغوط الخارجية إلى وسيلة لضمان الولاء الأعمى داخل حصونه الجبلية في ظل تصاعد الصراع بين إيران وأمريكا.

حرب إيران.. نجاة النظام والانتقام المرير

ويحذر التحليل من أن نجاة النظام من حرب إيران الحالية ستدفع به نحو مسار “الانتقام المرير”؛ فالتاريخ الإيراني حافل بتحويل الإحراج العسكري إلى موجات إرهاب دولي، كما حدث في تفجير بوينس آيرس عام 1994 ومطار بورجاس عام 2012.

وتشدد “فورين أفيرز” على أن إيران، التي لن يكون لديها ما تخسره، قد تشن سلسلة من الهجمات الانتقائية ضد أهداف غربية وإسرائيلية حول العالم، مراهنة على “سلاح الإرادة”؛ فكما أثبت الحشاشون قديما، لا يحتاج “الفدائي” لجيوش جرارة أو تكنولوجيا معقدة لارتكاب عمليات قتل جماعي، بل يحتاج فقط إلى “قضية وإرادة للموت”، مما يجعل من كل فرد في “النظام الجديد” خنجرا محتملا يهدد الأمن العالمي.

أشباح “ألموت” في مواجهة التكنولوجيا

وبينما تراهن واشنطن على تفوقها التكنولوجي، تراهن طهران على “جنرال الجغرافيا” وإرث “شيخ الجبل” في إدارة الفوضى، في معضلة تمثّل ذروة البراغماتية الانتحارية.

وفي أثناء ذلك، يفرض لجوء الحرس الثوري الإيراني لتكتيكات “الحشاشين” بما تشمله من الاغتيالات بالوكالة عبر المافيا الدولية إلى التهديد بالانتحار النووي، واقعا جديدا يجعل من “النصر العسكري التقليدي” هدفا بعيد المنال يصطدم بحصون لا تُرى بالرادارات.

وفي النهاية، يبقى التساؤل الاستراتيجي قائمًا: هل يدرك ترامب أن دخول “الجبل الإيراني” قد يعني مواجهة أشباح تاريخية لا تموت بضربات متتابعة، وإنما تزداد توحشا مع كل انهيار؟

شاركها.