الإعلان الدستوري : إطار المرحلة الانتقالية وخارطة طريق لبناء دولة الجنوب العربي

شهدت العاصمة عدن ومحافظات الجنوب العربي اليوم الإعلان الدستوري لدولة الجنوب العربي من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه وثيقة تأسيسية تنظم المرحلة الانتقالية، وتضع الأسس العامة لبناء دولة جنوبية مستقلة ذات سيادة، استنادًا إلى مرجعيات تاريخية وقانونية محلية وإقليمية ودولية، وفي مقدمتها إعلان عدن التاريخي الصادر في العاصفة نيوز 2017م، والوثائق المؤسسة للمجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ويأتي هذا الإعلان استجابةً للمطالب الشعبية الواسعة التي شهدتها محافظات الجنوب، لا سيما خلال الاعتصامات والحشود الجماهيرية في ديسمبر 2025م، والتي أكدت تمسك شعب الجنوب بإعلان دولته واستعادة سيادته، وبما ينسجم مع بيان الإعلان السياسي الصادر مؤخرًا عن المجلس الانتقالي الجنوبي.
*أسس الدولة والنظام السياسي
ينص الإعلان الدستوري على أن دولة الجنوب العربي دولة مستقلة ذات سيادة على حدود جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة، وعاصمتها عدن، وتعد جزءًا من الأمة العربية والإسلامية، مع التأكيد على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع.
ويؤكد الإعلان أن النظام السياسي للدولة يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، ونظام ديمقراطي مدني يستند إلى الإرادة الشعبية وسيادة القانون والتعددية والحكم الرشيد، على أن يحدد الشعب شكل النظام السياسي النهائي عبر استفتاء عام عقب انتهاء المرحلة الانتقالية.
*المرحلة الانتقالية وإدارة الدولة
حدد الإعلان مرحلة انتقالية مدتها سنتان، قابلة للتمديد لمرة واحدة بقرار من الهيئة التشريعية الانتقالية، وتهدف إلى تهيئة الظروف السياسية والمؤسسية لبناء دولة مدنية ديمقراطية مستقرة.
وخلال هذه المرحلة، يتولى رئيس الدولة المفوض باستعادة الدولة مهام رئاسة الدولة والحكومة الانتقالية، وقيادة القوات المسلحة، وإدارة شؤون الدولة داخليًا وخارجيًا، مع صلاحيات واسعة تشمل تعيين كبار المسؤولين، وإصدار القوانين، وإعلان حالة الطوارئ، وتمثيل الدولة دبلوماسيًا.
هيئات الحكم والسلطات
ينظم الإعلان تشكيل السلطة التشريعية الانتقالية بغرفتيها:
المجلس التشريعي الانتقالي (171 عضوًا)،
ومجلس الشيوخ (101 عضو)،
بما يضمن تمثيل جميع محافظات الجنوب، والنخب السياسية والاجتماعية، مع التأكيد على تمثيل المرأة والشباب.
كما يؤكد الإعلان استقلال السلطة القضائية ماليًا وإداريًا، واستمرارها في أداء مهامها إلى حين صدور القوانين المنظمة لها.
*مهام الحكومة والهيئات
ألزم الإعلان الحكومة الانتقالية بوضع السياسات العامة، وإعداد الموازنة، وتنفيذ إصلاحات إدارية ومالية، وحصر أصول الدولة ومواردها، وتنظيم النظام المالي والنقدي، والعمل على استعادة الاعتراف الدولي بالدولة الجنوبية وعضويتها في المنظمات الدولية والإقليمية.
كما حدّد مهامًا دقيقة للهيئة التشريعية، شملت إقرار القوانين الأساسية، ومناقشة الموازنة، والمصادقة على المعاهدات، والإشراف على مسار إعداد الدستور الدائم.
*المسار الدستوري والانتخابي
رسم الإعلان خارطة طريق واضحة لإعداد الدستور الدائم للدولة، تبدأ بتشكيل لجنة وطنية لصياغة الدستور، مرورًا بمناقشته داخل الهيئة التشريعية، ثم طرحه للاستفتاء الشعبي العام.
وبعد إقرار الدستور، تُجرى الانتخابات العامة للبرلمان، يعقبها انتخاب رئيس الدولة وفقًا لأحكام الدستور الجديد، وبذلك تُختتم المرحلة الانتقالية رسميًا.
*السياسة الاقتصادية والأمنية
اعتمد الإعلان سياسة اقتصادية قائمة على اقتصاد السوق الحر مع الحفاظ على البعد الاجتماعي، وحماية الملكيتين العامة والخاصة، وضمان الحقوق المكتسبة، مع مراجعة العقود والالتزامات السابقة بما يخدم المصلحة العليا لشعب الجنوب.
*الجانب الامني
وفي الجانب الأمني، أكد الإعلان أن القوات المسلحة والأمن مؤسسات وطنية حصرية، تُنشئها الدولة وتتولى حماية السيادة وسلامة الأراضي، مع حظر أي تشكيلات عسكرية خارج إطار الدولة، والتزام واضح بمكافحة الإرهاب بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
أحكام ختامية وانتقالية
تضمن الإعلان استمرار العمل بالقوانين النافذة بما لا يتعارض مع أحكامه، واستمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها خلال المرحلة الانتقالية، إلى جانب تنظيم مسائل العملة الوطنية، وشعار الدولة، والعلم، والنشيد الوطني بقوانين لاحقة.
كما نص على آليات واضحة لشغور المناصب العليا، وصيغة اليمين الدستورية، وإجراءات تعديل الإعلان الدستوري.
دلالات سياسية
يمثل الإعلان الدستوري، وفق مراقبين، نقلة نوعية في مسار القضية الجنوبية، حيث ينتقل بها من مربع المطالب السياسية إلى إطار قانوني ودستوري متكامل، يقدّم نفسه كوثيقة تأسيسية لدولة قيد البناء، ويبعث برسائل طمأنة للداخل والخارج بأن مشروع دولة الجنوب يقوم على التدرج، والشرعية الشعبية، والالتزام بالقانون الدولي.
ويُنظر إلى الإعلان باعتباره خارطة طريق واضحة المعالم، تضع الجنوب أمام مرحلة جديدة عنوانها تنظيم الاستقلال، وبناء الدولة، وترسيخ الشراكة الإقليمية والدولية على أسس واضحة ومسؤولة.












