القوى الأمنية تتهم وتستدعى في الحال ذاته: مفارقة الخطاب وسياسة التوظيف

من جهة، ينسج بن لرزق سرديةً سياسيةً شاملة، تُحمِّل جهاز الأمن في عدن تبعَةَ الاعتداء، مُرجعّا الدافع إلى مواقفه الناقدة لما يسميه فساد المجلس الانتقالي في المرحلة الأولى بقوله: نهبه للمال العام.
إنها صورة تُسقط فيها التهمةُ على الهيكل الأمني بكليته، في حركةٍ توحي باستعداءٍ مقصودٍ، وتحويل المؤسسة الأمنية من كيانٍ وطنيٍ حامٍ إلى خصمٍ سياسيٍ شخصي؛ فالخطاب هنا لا يقتصر على حادثةٍ جزئية، بل يتحول إلى أداة اتهامٍ شمولية، تُسيّس الأمن وتجرده من حياده المفترض، ليرتهن – في هذه السردية – لأجندات الضبط والانتقام.
ومن جهةٍ ثانية، وفي تناقضٍ صارخٍ مع منطق الاتهام الأول، يرفع الرجل صوته مطالبّا هذة القوى الأمنية نفسها – بضمير الإشارة ذاته – بالتحرك الفوري لـضبط المعتدين؛ فهو، إذ يُجرد القوات الأمنية من شرعيتها ويشكك في نزاهتها؛ بوصفها طرفًا في الجريمة، يعود ليلتمس منه شرعية الحماية ويفرض عليه واجب التحرّي.
إنها مفارقة تكشف عن رؤيةٍ انتقائيةٍ وظيفيةٍ للمؤسسات: تُستَخدم ساحة اتهامٍ حينًا، ومطالبةً بحقوقٍ حينًا آخر، وفقًا لمقتضيات اللحظة وملفات الصراع.
هذه الثنائية في التعامل مع القوات الأمنية – كعدوٍ وكحَكَمٍ في آنٍ – لا تعكس تناقضًا خطابيًّا فرديًّا فحسب، بل تكشف عن سمةٍ أعمق في سياقات الصراعات الهشة: تحويل المؤسسات السيادية إلى كرةٍ يتقاذفها المتنازعون. فتُتهم حينًا إذا لم تُحابِ، ويُستدعى دورها إذا لمُسَّ مصلحة. وهو ما يُضعف هيبة المؤسسة الأمنية ويُفقد ها القدرة على الحياد والثقة، لتصبح تلك القوات الامن في الخطاب العام كيانًا مرنًا، يُشهر كعدو سياسي عند الحاجة إلى تعبئة الرأي، ويُرجى كحارس للقانون عند الرغبة في تحصين المكاسب.
ختامًا، فإن مفارقة بن لرزق – بين الاتهام والاستدعاء – هي نموذج مصغر لأزمة الثقة المتفاقمة بين الأطراف السياسية والمؤسسات الحارسة، وهي تذكيرٌ بأن اختزال الأمن في بعديه السياسي والانتقامي، وإفراغه من مضمونه الوطني الجامع، لا يخدم سوى منطق الفوضى وثقافة الاشتباه. فإما أن يكون الأمن مؤسسةً وطنيةً محايدةً تُحترم وتُستدعى للجميع بالعدل، وإما أن يتحول إلى ورقةٍ في صراع الهويات والمنافع، تتبدل قيمته بين الخصومة والولاء حسب تقلبات الخطاب ومصالح اللحظة، والسؤال الباقي: إلى متى تبقى المؤسسة الأمنية رغم نجاحاتها في عدن رهينة هذه المعادلة التي يريدها الممول؟











