[
في المقال السابق تحدثنا عن تشدد البنوك وإجراءاتها لمواجهة غسل الأموال، ولماذا تشدد البنوك إجراءاتها
لكن يبقى السؤال الأهم:
كيف عاقبت القوانين هذه الجريمة؟
وهل العقوبات وحدها كافية دون المساس بحقوق الأفراد؟
هذا المقال يقدم قراءة قانونية مبسطة للعقوبات في القانون المصري، مع مقارنة بتشريعات دولية،
ووقفة ضرورية عند المآخذ والتوازن الغائب أحياناً.
أولاً : جريمة غسل الأموال في القانون المصري
نظم المشرع المصري جريمة غسل الأموال في قانون مكافحة غسل الأموال.
ويعرف غسل الأموال بأنه:
كل سلوك ينطوي على إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال أو مصدرها أو مكانها أو طريقة التصرف فيها، متى كانت متحصلة من جريمة.
🔹 نقطة جوهرية هامة
القانون المصري حصر الجرائم الأصلية التي تُعد متحصلاتها محلاً لغسل الأموال حصراً صريحاً.
أي أن : الأموال لا تُعد مغسولة إلا إذا كانت ناتجة عن جرائم محددة نص عليها القانون صراحة.
مثل
– جرائم المخدرات
– الإرهاب
– الرشوة
– الاختلاس
– الاتجار بالبشر
– التزوير
– تهريب الآثار وغيرها من الجرائم الواردة على سبيل الحصر
ثانياً عقوبة غسل الأموال في القانون المصري
قرر القانون عقوبات مشددة، من بينها:
– السجن
– غرامة مالية لا تقل عن قيمة الأموال محل الجريمة
– مصادرة الأموال
– مع تشديد العقوبة في حال:
– ارتكاب الجريمة في إطار جماعة منظمة
– أو باستخدام وظائف عامة
— مساءلة الشخص الاعتباري ( الشركات والمؤسسات )
العقوبة هنا لا تستهدف فقط الشخص، بل المال نفسه.
ثالثاً: مآخذ على القانون المصري
رغم أهمية القانون، إلا أن هناك ملاحظات قانونية حقيقية، أبرزها:
1 الحصر الصارم للجرائم
فالحصر قد يُفوت جرائم مستحدثة
كما أن التطور التكنولوجي أسرع من التعديل التشريعي
بالإضافة أن بعض الجرائم الرقمية لا تدخل بوضوح ضمن القائمة
2 صعوبة الإثبات
– إثبات الجريمة الأصلية أولا ثم إثبات صلة الأموال بها يمثل عبئاً إجرائياً كبيراً.
3 اتساع الاشتباه البنكي مقابل ضيق التجريم
– البنوك تُراقب بحذر شديد
بينما يظل نطاق التجريم القانوني محدوداً وهنا تظهر فجوة عملية.
موقف الولايات المتحدة الأمريكية
القانون الأمريكي لا يعتمد على الحصر الضيق
– يوسع مفهوم الأموال غير المشروعة
– يربط غسل الأموال مباشرة بتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة
العقوبات تشمل:
– السجن لمدد طويلة
– غرامات ضخمة
– مصادرة واسعة
– مسؤولية جنائية ومدنية متزامنة
والفلسفة الأساسية :
لا مجال للغموض … ولا ملاذ آمن للأموال القذرة.
القانون الفرنسي
فرنسا تعتمد نهجاً أكثر مرونة:
– تركيز على فعل الإخفاء والتمويه
– لا تشدد فقط على الجريمة الأصلية
– تحميل مسؤولية مهنية للمحامين والمصرفيين في بعض الحالات
العقوبات
– سجن
– غرامات مرتفعة
– مصادرة
– منع من ممارسة بعض الأنشطة
ومن الدول العربية الإمارات والكويت
سنذكرهم في نقاط بسيطة وواضحة:
الإمارات
– تشريع حديث ومتطور
– شمول الجرائم الرقمية
– استخدام التكنولوجيا في الرصد
– عقوبات رادعة وسريعة
وهي تُعد من النماذج المتقدمة عربياً في هذا المجال.
أما الكويت
– إطار قانوني واضح
– تعاون دولي فعال
– تدرج في العقوبة حسب خطورة الجريمة الأصلية .
وهناك نموذج دولي ناجح – سنغافورة
سنغافورة مثال مهم فهناك:
– قوانين دقيقة
– رقابة مصرفية صارمة
– سرعة إجراءات
– توازن بين الردع والحقوق.
فقد نجحت في حماية نظامها المالي دون تحويل البنوك إلى أجهزة تحقيق.
الاتفاقيات الدولية لمكافحة غسل الأموال
تعتمد أغلب التشريعات على
– اتفاقية فيينا
– اتفاقية باليرمو
– اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد
– توصيات مجموعة العمل المالي (FATF)
هذه الاتفاقيات أرست :
– التعاون الدولي
– تبادل المعلومات
– تجريم السلوك لا مجرد المال.
بين الرقابة والحرية … شعرة رفيعة
مكافحة غسل الأموال ضرورة لا خلاف عليها،
لكن الخطر الحقيقي يكمن في غياب التوازن.
فهناك فرق ددقيق أو شعرة رفيعة بين رصد الحسابات المشبوهة وبين انتهاك الخصوصية وتقييد الحرية المالية
نعم، يجب :
– مراقبة الحسابات التي تشهد حركات سحب وإيداع وتحويل مريبة
– تتبع الأنماط غير المنطقية
– حماية النظام المالي
لكن في المقابل :
– لا يجب تحويل فتح حساب بنكي جديد إلى تحقيق طويل
– ولا معاملة كل عميل حسن النية كمشتبه به
– ولا التضييق على من لا تحوم حوله الشبهات.
فالتشريع الناجح والرقابة العادلة،
هما اللذان يحميا الاقتصاد … دون أن يخنقا الثقة.
