[

 مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهرت أدوات قادرة على توليد صور ومقاطع فيديو شديدة الواقعية لأشخاص لم يقوموا فعلياً بأي من الأفعال المنسوبة إليهم. ومن أخطر هذه الاستخدامات ما يُعرف ب الصور الجنسية المزيفة (Deepfake pornography) ، وهي صور أو ماقطع يتم فيها تركيب امرأة حقيقية على جسد عارٍ أو في مشاهد جنسية لم تحدث قط.

هذا النوع من المحتوى لا يُعد مجرد ” عبث تقني ” أو ” مزحة رقمية ” ، بل هو شكل صريح من أشكال العنف الرقمي ، وانتهاك جسيم للكرامة الإنسانية، واعتداء مباشر على المرأة نفسياً واجتماعياً وقانونياً .

ما المقصود بالصور الجنسية المزيفة ؟

الصور الجنسية المزيفة هي محتوى بصري يتم إنشاؤه أو التلاعب به بإستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ، بحيث يظهر شخص حقيقي – غالباً امرأة – في أوضاع أو ممارسات جنسية لم تحدث في الواقع.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في التزوير ، بل في درجة الإقناع العالية التي تجعل المشاهد العادي غير قادر على التفرقة بين الحقيقة والاصطناع، مما يؤدي إلى تصديق المحتوى وانتشاره وتداوله على نطاق واسع.


لماذا تُعد هذه الصور شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة ؟

العنف لم يعد محصوراً في الإيذاء الجسدي المباشر ، بل تطور ليشمل أنماطاً رقمية ونفسية لا تقل خطورة . أن الصور الجنسية المزيفة تمثل عنفاً متعدد الأبعاد :

عنف نفسي – 

تتعرض الضحية لصدمة وشعور بالعار والخوف وفقدان الأمان ، وقد تصل آثار هذا إلى الاكتئاب أو العزلة الاجتماعية أو التفكير في إيذاء النفس.

عنف اجتماعي –

في المجتمعات المحافظة قد تؤدي صورة مزيفة واحدة إلى تدمير السمعة، فقدان العمل، مشكلات أسرية جسيمة وربما تصل لقطع العلاقات الأسرية، بالاضافة إلى الوصم المجتمعي الدائم.

وهناك عنف قائم على النوع الاجتماعي 

أي انه يُستخدم كسلاح لإسكات صاحبات الرأي أو يستخدمها رجل للانتقام من زوجته أو طليقته .. طبعا النساء هن الأكثر استهدافاً بهذه النوع من الجرائم .. فإذا أقامت الضحية دعوى قضائية ضد زوجها أو شريكها السابق قد تجده ينتقم منها بهذا الشكل


هل الذكاء الاصطناعي هو المُدان هنا ؟؟ 

لا .. الذكاء الاصطناعي أداة لا جريمة 

من المهم التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي في حد ذاته ليس شراً .. ليس مجرماً بطبيعته.

هو أداة تكنولوجية كغيره من الأدوات، يمكن استخدامها في مجالات عديدة أبرزها التعليم وتسهيل الوصول إلى معلومة وتحليل البيانات والبحث ، والفن والإبداع .

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، فكما يمكن للسكين أو تُستخدم في الطهي أو الاعتداء، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون وسيلة للبناء أو للهدم. 

الخلط بين الأداة والمستخدم يُعد خطأ شائعاً، لأن المسؤولية القانونية والأخلاقية تقع على من أساء الاستخدام لا على التقنية ذاتها.


الآثار القانونية والاجتماعية لهذه الجريمة :-

الصور الجنسية المزيفة تضع الأنظمة القانونية أمام تحديات حقيقية، إذا أنها تنتهك الخصوصية ، وتشكل صورة من صور التشهير، وقد تندرج تحت جرائم الابتزاز الالكتروني، وتمثل اعتداء على القيم الأسرية والمجتمعية


كثير من التشريعات الحديثة بدأت بالفعل في التعامل مع هذا النوع من الجرائم باعتباره جريمة مستقلة، حتى وإن لم يكن المحتوى ” حقيقياً” لأن الضرر الواقع حقيقي وملموس.

فالعبرة في الجرائم الرقمية ليست بصدق الواقعة بل بأثرها.


في القانون المصري 

– قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018

يعالج القانون المصري هذا النوع من الاجرائم بشكل غير مباشر لكنه حاسم، ومن أهم مواده:

المادة ( 25 ) تعاقب كل من :

اعتدى على أي من المباديء أو القيم الأسري في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو نشر محتوى ينتهك الخصوصية دون رضا صاحب الشأن

العقوبة :

– الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر 

– وغرامة تصل إلى 100 ألف جنيه 

أو إحدى هاتين العقوبتين

* الصور الجنسية تندرج بوضوح تحت هذا النص.

المادة ( 26 ) 

تجرم استخدام وسائل تقنية المعلومات في :

– التشهير 

– الاساءة

– الاعتداء على سمعة الأشخاص

العقوبة 

– الحبس 

– وغرامة تصل إلى 300 ألف جنيه 


إذا اقترنت الجريمة بالابتزاز

فإنها تُعد ابتزازاً إلكترونياً، وقد تُطبق مواد أشد من قانون العقوبات، خاصة إذا استخدمت تلك الصور للضغط على الضحية مادياً أو معنوياً.


كيف تتعامل القوانين في دول أخرى مع الصور الجنسية سواء المزيفة أو غير المزيفة ؟

المملكة المتحدة UK 

تعتبر الصور الجنسية المزيفة جريمة مستقلة، حتى لو لم تكن الصور حقيقية، طالما أُنشئت أو نُشرت دون مرافقة الشخص

الولايات المتحدة USA

عدة ولايات جرمت ال Deepfake Porn صراحة، واعتبرته شكلاً من أشكال العنف الجنسي الرقمي.

الاتحاد الأوربي 

يتعامل مع هذه الجرائم باعتبارها : انتهاكاً للخصوصية، وعنفاً رقمياً، وجريمة قائمة على النوع الاجتماعي وتُلزم القوانين المنصات الرقمية بسرعة إزالة المحتوى.


ومن الدول العربية دولة الإمارات العربية المتحدة 

القانون الإماراتي وتصديه لجرائم التزييف العميق

في الإمارات العربية المتحدة تم تضمين التزييف العميق ضمن إطار قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الاتحادي رقم (34) لسنة 2021، والذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2022.

هذا القانون يعاقب صناعة أو نشر أخبار مزيفة أو صور أو محتوى رقمي مضلل يضر بالسمعة أو المصالح العامة أو الخاصة.

– المادة 52 : تجرم إنشاء أو نشر أخبار مزيفة أو صور أو محتوى رقمي مضلل يضر بالسمعة أو المصالح العامة أو الخاصة.

– المادة 54: تتعامل مع نشر معلومات مضللة بهدف إحداث قلق أو زعزعة استقرار المجتمع.


العقوبات قد تشمل السجن والغرامات الكبيرة التي قد تتراوح بين 100000 و 1000000 درهم ( أو أكثر في بعض الجرائم )

كما يُشدد القانون على أن إعادة نشر المحتوى المزيف أو عدم الإبلاغ عنه يمكن أن يعد مخالفة في حد ذاته.


أي أن القانون الجنائي والتقني في دولة الإمارات يتعاملان مع التزييف العميق نفس التعامل مع الجرائم الإلكترونية الأخرى المتعلقة بالإساءة والابتزاز والاحتيال.


ما هي مسؤولية المجتمع والمنصات الرقمية ؟

مواجهة هذا النوع من العنف تتطلب :

– تحديث التشريعات لتجريم الصور المزيفة صراحة

– إلزام الممنصات الرقمية بإزالة المحتوى فوراً.

– تجريم الاحتفاظ بتلك الصور أو إعادة استخدامها بالنشر أو بأي شكل 

– نشر الوعي 

– دعم الضحايا قانونياً ونفسياً.


الصور الجنسية المسربة أو المزيفة والمولدة بالذكاء الاصطناعي ليست مجرد تطور تقني، بل أحد أخطر أشكال العنف الرقمي ضد المرأة في العصر الحديث.

والتصدي لها لا يكون بمحاربة التكنولوجيا، بل بمحاسبة المسيء وحماية الضحية وتطوير القوانين لتتناسب مع تطور الجريمة.



شيماء حسني 

محامية ومستشارة قانونية وكاتبة 

شاركها.