لم يكن في الحسبان أن تتحول “عملية الغضب الملحمي” من رهانٍ استراتيجي على تغيير وجه الشرق الأوسط، إلى كابوسٍ سياسي يطارد أصحاب القرار في واشنطن وتل أبيب. فبعد 24 يومًا من اندلاع المواجهات المباشرة، لم يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسيهما إلا في مواجهة مستنقعٍ من الاستنزاف يبتلع رصيدهما الشعبي ويهدد مستقبلهما السياسي.
وبينما كانت الحسابات الأولية تتحدث عن ضربة ساحقة تُسقط النظام في طهران، تقف القيادتان اليوم أمام واقعٍ مغاير؛ حيث تحولت “عقيدة النصر الخاطف” إلى معركة أعصاب مفتوحة، تضع ترامب في صدامٍ مع قاعدته الشعبية، ونتنياهو في مواجهة لافتات الغضب التي تحاصر حكومته.
والسؤال الآن: كيف تبخرت وعود الحسم، ولماذا باتت حرب إيران التي أراداها ورقة قوة، هي نفسها الفخ الذي يهدد بسقوطهما؟
كيف جر نتنياهو ترامب إلى اغتيال المرشد؟
تكشف كواليس اتخاذ قرار الحرب مدى تداخل الدوافع الشخصية مع الحسابات الاستراتيجية في توجيه دفة الصراع الإقليمي المشتعل الآن.
هذا ما يُفيد به تقرير حصري لوكالة “رويترز“، ذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أجرى مكالمة هاتفية مفصلية مع الرئيس الأمريكي قبل أقل من 48 ساعة من انطلاق “عملية الغضب الملحمي”. حيث استغل نتنياهو، خلال هذه المحادثة، الفرصة للضغط بقوة وتركيز من أجل تنفيذ عملية عسكرية مشتركة تستهدف اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، مقدمًا حججًا بالغة التأثير على شخصية ساكن البيت الأبيض.
وقد ركزت الحجة الإسرائيلية في جوهرها على أن هذه الضربة المشتركة تمثل فرصة تاريخية واستثنائية للانتقام من المحاولات الإيرانية السابقة لاغتيال دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية عام 2024، وهي نقطة حساسة شكّلت حافزًا رئيسيًا دفع الرئيس الأمريكي لإعطاء الضوء الأخضر النهائي للعملية العسكرية.
غرور ترامب.. هكذا سقط صاحب”ماجا” في حرب إيران
وقتها، لم تتوقف خطة الإقناع عند هذا الحد، وقد تعمقت عبر رسم صورة وردية لما ستؤول إليه الأوضاع الميدانية والسياسية عقب الضربة الأولى المباغتة، حين أكد نتنياهو لنظيره الأمريكي خلال المكالمة ذاتها أن القضاء على رأس الهرم القيادي في طهران سيقود حتمًا إلى انتفاضة شعبية عارمة تسقط النظام الديني الحاكم منذ عام 1979، كما تنقل رويترز.
وتوافقت هذه الرؤية الإسرائيلية تمامًا مع طموحات ترامب في تحقيق إنجاز تاريخي غير مسبوق يُسجل باسمه في سجلات السياسة الخارجية الأمريكية، ويدعم موقفه أمام ناخبيه المحافظين بوصفه الزعيم القوي الحاسم.
وبناءً على هذه التقديرات المتفائلة والمبنية على وعود بانهيار سريع للخصم، أصدر ترامب أوامره في 27 من فبراير للمضي قدمًا في المواجهة، متوهمًا أن المعركة ستنتهي بانتصار استراتيجي خاطف يُعيد رسم الخرائط الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
“صدمة المؤسسة”.. لماذا فشل الرهان؟
عند تشريح أسباب هذا الإخفاق الاستراتيجي، يقدم الباحثون في معهد بروكينجز قراءة دقيقة للعمى الاستخباراتي الذي أصاب واشنطن وتل أبيب معًا، وهم يرون أن الاستراتيجية الهجومية بُنيت بالكامل على افتراض خاطئ، يُصوّر الدولة الإيرانية كنظام هش يرتبط بقاؤه بوجود شخص المرشد.
تؤكد هذه الأطروحات أن هذا التبسيط المخل تجاهل قوة “المؤسسة الأيديولوجية” وتجذر الحرس الثوري في مفاصل الدولة، ما أتاح لطهران امتصاص صدمة الاغتيالات الأولى وتفعيل بروتوكولات القيادة البديلة بسلاسة، حارمةً المهاجمين من مشهد الفوضى الداخلية الذي راهنوا عليه.
وتتطابق هذه القراءة مع التقييمات الميدانية المعمقة التي طرحها معهد دراسة الحرب (ISW)، إذ يرصد في تقاريره كيف نفذت القيادة الإيرانية الجديدة تحولًا تكتيكيًا سريعًا، وانتقلت من مرحلة تلقي الضربات إلى إدارة حرب استنزاف محسوبة بدقة.
مضيق هرمز.. ورقة طهران لزيادة تكلفة حرب إيران
يكشف السفير الإيراني السابق أفشار سليماني، في تصريحات خاصة لـ “ العاصفة نيوز“، أن هيكل صنع القرار في طهران وضع في حساباته الاستراتيجية بعناية فائقة “مكونات عدم الاستقرار السياسي الداخلي في إسرائيل، وتآكل القاعدة التصويتية للجمهوريين في أمريكا، كنتيجة حتمية لإطالة أمد الحرب غير المتكافئة”.
ويوضح الدبلوماسي الإيراني السابق كيف أدارت بلاده المعركة كـ “لعبة شطرنج” اقتصادية؛ مؤكدًا لـ “ العاصفة نيوز” أن التلويح بالسيطرة على مضيق هرمز لم يكن مجرد تهديد عسكري، بل أداة مصممة خصيصًا لرفع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، ومضاعفة تكاليف تأمين النقل البحري، مما أدى في النهاية إلى “زيادة تكلفة الحرب على المعتدين، وتعميق الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو وأوروبا”.
ويختتم سليماني رؤيته بالإشارة إلى أن التخبط والتناقض الواضحين في مواقف دونالد ترامب الأخيرة يؤكدان “صحة المقاربة والحسابات الاستراتيجية لصناع القرار في الجمهورية الإسلامية”.
هنا، يتدخل “مركز سوفان للأبحاث الأمنية” ليكمل رسم لوحة الكابوس الجيوسياسي الأمريكي، منبهًا إلى أن صمود النظام الإيراني نقل المعركة إلى الساحة التي تخشاها واشنطن أكثر من غيرها؛ ألا وهي “أسواق الطاقة”.
وتُفصّل أوراق المركز كيف أن التهديدات الإيرانية المستمرة باستهداف منابع الطاقة الخليجية وضعت إدارة ترامب أمام خيارات صفرية معقدة؛ فباتت واشنطن عالقة بين التورط في صراع إقليمي شامل قد يُدمر الاقتصاد العالمي، أو التراجع الذي سيُقرأ دوليًا كاعتراف بالهزيمة، مما يعمق المأزق الوجودي للرئيس الذي دخل الحرب بحثاً عن نصرٍ خاطف.

كيف تُعيد حرب إيران رسم خرائط التجارة والطاقة عالميًا؟
لا تقتصر ارتدادات الفشل الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي لحرب إيران على تقلبات أسعار النفط الآنية أو التمرد السياسي العابر، بل تمتد لتضرب جذور “الاقتصاد الجيوسياسي” للمنطقة بأسرها، كما يقول الدكتور ديمتري إيروخين، الباحث الاستراتيجي في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA)، مشيرًا في حديث خاص لـ “ العاصفة نيوز“، إلى زاوية بالغة الخطورة غابت تمامًا عن حسابات ترامب ونتنياهو.
يوضح إيروخين، وهو متخصص في تحليل مسارات الشحن والاضطرابات الجيوسياسية، أن التداعيات طويلة المدى لإغلاق مضيق هرمز – بالتزامن مع استمرار حالة انعدام الأمن في البحر الأحمر – تتجاوز في جوهرها مجرد “أزمة طاقة مؤقتة”؛ لتصل إلى حد “إعادة تسعير المخاطر” عالميًا من قِبل شركات الشحن الكبرى وحكومات الدول العظمى.
ويؤكد أن هذا التهديد المستمر يدفع كبريات الشركات العالمية لإعادة تصميم سلاسل التوريد واللوجستيات الخاصة بها بعيدًا عن الممرات المائية المختنقة، بحثًا عن الأمان الذي فقدته خطوط التجارة التقليدية.
وتكمن الخطورة الكبرى، بحسب الخبير الدولي، في أن استمرار حالة الشلل العسكري سيدفع اقتصادات العالم للبحث عن مسارات تجارية بديلة، حتى وإن كانت أطول زمنيًا، لتجاوز مناطق النزاع التي خلقتها “عملية الغضب الملحمي”.
وهذا التحول، إن تحقق، سيعني عزل اقتصاديات الخليج والمنطقة تدريجيًا، وتحويل العملية العسكرية – التي أُريد لها أن تكون أداة لترسيخ الهيمنة الأمريكية – إلى “معاول هدم” تُعيد رسم خريطة التجارة العالمية بعيدًا عن مناطق النفوذ الأمريكي وحلفائه في الشرق الأوسط، وهو سيناريو يمثل الضربة الاستراتيجية الأقسى التي قد يتلقاها التحالف الأمريكي-الإسرائيلي نتيجة مغامرته العسكرية غير المحسوبة.
خيارات أمريكا السيئة.. قراءة من قلب البنتاجون
لوضع هذا الإخفاق الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي في إطاره الأكاديمي والسياسي الصحيح، تبرز القراءة التشريحية التي قدمها إيلان جولدنبرج، في مجلة “فورين أفيرز” تحت عنوان دال: “أمريكا لا تملك خيارات جيدة بشأن إيران”.
يستمد جولدنبرج، الذي يشغل حاليًا منصب نائب الرئيس الأول في منظمة “جيه ستريت”، ثقل تحليله من خبرته الواسعة داخل أروقة صنع القرار؛ حيث عمل رئيسًا لفريق إيران في مكتب وزير الدفاع (البنتاجون) خلال إدارة أوباما، فضلًا عن شغله منصب المستشار الخاص لشؤون الشرق الأوسط لنائبة الرئيس كامالا هاريس (2023-2024).
ويرى أن الإدارة الأمريكية الحالية وقعت في فخ سوء التقدير عندما اعتقدت أن تفوقها العسكري الساحق سيوفر لها مخرجًا سريعًا. ويفكك الخبير الاستراتيجي هذه المعضلة مؤكدًا أن واشنطن تجد نفسها الآن أمام مسارات أحلاها مر؛ فإما المضي قدمًا في حرب شاملة لتغيير النظام، وهو ما سيقود حتمًا إلى كارثة اقتصادية وأمنية تبتلع الشرق الأوسط بأسره، أو التراجع والبحث عن تسويات مؤقتة ستُترجم فورًا على أنها تآكل في الردع الأمريكي، وتُعرّض مصداقية واشنطن أمام حلفائها وفي مقدمتهم تل أبيب لضربة قاصمة.
وتتقاطع هذه القراءة من خبير البنتاجون السابق مع واقع الحال في واشنطن اليوم، لتؤكد أن ترامب لم يُسقط النظام الإيراني، بل أسقط إدارته في دوامة من الخيارات السيئة، التي لا تفضي أي منها إلى النصر الحاسم الذي وُعد به، بل تعمق من فاتورة الاستنزاف السياسي والمادي التي يدفعها الرئيس من رصيده الشعبي مع كل يوم جديد من أيام هذه الحرب المفتوحة.
لافتات تل أبيب تُحاصر مهندس الحرب
بالانتقال إلى الساحة الإسرائيلية الداخلية، تبدو الارتدادات العكسية لقرار الحرب أكثر قسوة وتهديدًا للمستقبل السياسي لبنيامين نتنياهو.
يقدم “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” (INSS) بيانات تحليلية بالغة الأهمية ترصد انقلاب المزاج العام. وتوضح استطلاعات المعهد وتوصياته أن الشارع الإسرائيلي، الذي منح الحكومة تفويضًا استثنائيًا في البداية لتدمير التهديد الإيراني، سرعان ما سحب هذا الدعم تحت وطأة الخسائر الاقتصادية وتمدد حالة الشلل الداخلي.
اقرأ أيضًا: حرب إيران بعد 23 يومًا.. كيف سقطت ملاجئ إسرائيل في اختبار خرمشهر؟
وتخلص دراسات المعهد إلى أن غياب الأفق الزمني للحرب وتحطم وهم “الضربة الخاطفة” جعلا المواطن الإسرائيلي يشعر بأنه بات رهينة لطموحات رئيس الوزراء الشخصية.
وقد تُرجمت هذه الخلاصات البحثية إلى واقع ميداني صاخب يجتاح شوارع المدن الإسرائيلية الكبرى. حيث امتلأت ميادين تل أبيب وحيفا بلافتات احتجاجية تهاجم شخص نتنياهو بوضوح، وتحمله مسؤولية توريط البلاد في مستنقع جديد بعد استنزاف حرب غزة.
وتدعو هذه الحركات الاحتجاجية المتصاعدة إلى إسقاط الائتلاف الحاكم فورًا، مدفوعة بقناعة راسخة بأن القيادة السياسية فشلت في تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية، واكتفت بتحويل الجبهة الداخلية إلى هدف دائم للصواريخ الباليستية.
وأمام هذا الضغط الشعبي الهائل، رصد المحللون تراجعًا دراماتيكيًا في الخطاب الرسمي للحكومة الإسرائيلية. كما اختفت تمامًا التصريحات النارية التي كانت تعد بتغيير خريطة الشرق الأوسط وتفكيك النظام الإيراني من جذوره، وحلت محلها لغة تبريرية تحاول يائسة تخفيض سقف التوقعات.
وبات قادة الائتلاف اليميني يتحدثون بخجل عن مجرد إضعاف القدرات النووية، مع إلقاء عبء تغيير النظام على عاتق الشعب الإيراني، في محاولة مكشوفة للتنصل من الفشل الاستراتيجي والهروب من المحاسبة الداخلية التي تنتظرهم.
تضخم النفط يعصف بطموحات ترامب
لم تتوقف ارتدادات الزلزال الاستراتيجي عند حدود تل أبيب، ووصلت أمواجه الارتدادية لتضرب بقوة في عمق العاصمة الأمريكية. يواجه الرئيس دونالد ترامب الآن حالة غير مسبوقة من التمرد الداخلي والانقسام الحاد داخل أروقة الحزب الجمهوري والقاعدة الشعبية المحافظة (MAGA).
تعود جذور هذا الغضب إلى الحساسية المفرطة للناخب الأمريكي تجاه قضايا الاقتصاد اليومي؛ حيث أدى استمرار العمليات العسكرية إلى اقتراب أسعار برميل النفط من حافة الـ 100 دولار – قبل أن تتهاوى الأسعار اليوم إلى ما دون ذلك مع أخبار المفاوضات – مما ينذر بموجة ركود تضخمي ستأكل الأخضر واليابس من مدخرات المواطنين، وتدمر الحظوظ الانتخابية للحزب برمته.
ولفهم عمق هذا التصدع داخل المعسكر الداعم لترامب، يكفي استعراض الهجوم اللاذع الذي شنه الإعلامي البريطاني البارز والمقرب من الدوائر المحافظة، بيرس مورجان، في مقال تحليلي عميق نشره موقع “ذا هيل” الأمريكي، حيث فكك مورجان الاستراتيجية الأمريكية قطعة تلو الأخرى.
طرح مورجان تساؤلات قاسية حول الغاية النهائية التي تسعى واشنطن لتحقيقها، مبديًا دهشته العميقة من الدخول في صراع إقليمي بهذا الحجم دون امتلاك أدنى تصور عن “خطة الخروج”.
تتمحور أطروحة مورجان، التي لاقت صدى واسعًا بين السياسيين الجمهوريين، حول خطورة التبعية العمياء للحسابات الإسرائيلية. ويؤكد هذا التيار المحافظ الغاضب أن الإدارة الأمريكية تخلت عن مبادئ “أمريكا أولًا”، وانجرت لتنفيذ أجندة خاصة بنتنياهو تتناقض كليًا مع مصالح الأمن القومي الأمريكي، وتضع الاقتصاد العالمي المأزوم على حافة الانهيار الشامل إرضاءً لغرور سياسي لم يحقق أي إنجاز على الأرض.
“حرب إبستين”.. رواية ديمقراطية تفكك أسباب الصراع
لا يقف تفكيك المشهد عند حدود التمرد داخل المعسكر الجمهوري، إنه يمتد لصدامٍ أكثر عمقًا قاده الديمقراطيون لتشريح الدوافع الخفية التي قادت واشنطن لهذه المواجهة. وفي قراءة مهمة لأسباب التداعي الأمريكي في إيران، يؤكد الدكتور مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، أن أسباب الحرب المعلنة “غير موجودة أصلًا”، وأن قصة التهديد المباشر ومحاولات إيران اغتيال الرئيس الأمريكي “ثبت كذبها ولا توجد أي أصابع تشير لطهران، بل إن هناك أصابع تشير إلى أن إحدى محاولات الاغتيال وتحديدًا في بنسلفانيا عليها غبار، وملابساتها غريبة الشكل ولم يتم التحقيق فيها بالشفافية المطلوبة”.
يكشف عفيفي أيضًا، في تصريحاته الخاصة إلى العاصفة نيوز، عن الدوافع الحقيقية وراء القرار العسكري، مشيرًا إلى أن دخول ترامب للحرب كان لتغطية أزمات داخلية كبرى، على رأسها “فضيحة إبستين”.
ويوضح: “البعض قد يستخف بالمسألة، لكن فضيحة إبستين لم تهدأ، وهي ليست مجرد فضيحة جنسية لأنها كشفت تورط قيادات سياسية واقتصادية ورجال مال ونخبة في قضايا أخلاقية غير مقبولة.. ولذلك تُسمى هذه الحرب الآن في بعض الأوساط (حرب إبستين) للتغطية على هذا الملف”.
ويضيف القيادي الديمقراطي بُعدًا آخر يتعلق باختطاف القرار الأمريكي لصالح أجندات شخصية وإسرائيلية، مؤكدًا أن قرار الحرب جاء بناءً على “ضغوط إسرائيلية مبيتة منذ أعوام طويلة، مررتها إسرائيل عبر المقربين من الرئيس، وتحديدًا صهره جاريد كوشنر ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، وهما من زجا بالولايات المتحدة في هذا المستنقع”.
ويشدد عفيفي على أن “المستشارين الآخرين سواء في الحزب الجمهوري أو البيت الأبيض، والقيادات العسكرية والأمنية، رأوا جميعًا أنه لا يوجد أي تهديد حقيقي للمصالح الأمريكية وأن هذه الحرب ليست في مصلحة واشنطن”.
92% من الشعب الأمريكي يرى لأول مرة في التاريخ أن هذه الحرب ليست في صالحهم، وبداية النهاية لحركة MAGA
ترامب ونتنياهو وأكذوبة النصر
وفي سياق تكتيكات الانسحاب التي يبحث عنها الرئيس المغامر، يسخر عفيفي من محاولة ترامب في البداية تقليد ما فعله بوش في العراق، ثم محاولته استنساخ “سيناريو فنزويلا” بقلب نظام الحكم عبر اختطاف القيادات، وهي نظرية أثبتت فشلها مع دولة بحجم إيران.
ويوضح أن ترامب بعد أن هدد بتدمير البنية التحتية الإيرانية وواجه ردًا إيرانيًا مضادًا بتدمير المنشآت التي تصل إليها طهران، “وجد نفسه في مأزق فتخبط وأعلن عن محادثات ومهلة خمسة أيام، وهو ما أنكرته طهران بالكامل”.
ويتوقع عفيفي أن يعمد ترامب في النهاية إلى “خلق أكذوبة لإعلان النصر” ومحاولة الخروج من المأزق، خاصةً مع تزايد الضغوط من عائلته والتهديد بنشر مزيد من الأسرار الإسرائيلية حول فضيحة إبستين.
ويختتم تصريحاته لـ” العاصفة نيوز” بالكشف عن إحصائية صادمة تؤكد أن “92% من الشعب الأمريكي يرى لأول مرة في التاريخ أن الحرب ليست في صالحهم”، مشيرًا إلى حدوث “انقسام شديد وانقلاب داخل حركة (MAGA) الداعمة لترامب.. لتبدو هذه بداية النهاية لمستقبله السياسي، خاصة أن الناخب أدرك أن كل ما يفعله الرئيس، سواء في الاقتصاد أو العملات المشفرة أو حتى إنتاج فيلم عن زوجته، ينصب فقط في محاولاته لرفع قدراته المادية وحماية أسرته وليس حماية أمريكا”.
تفعيل “تاكو” والاتفاقات السرية في إسلام آباد
تحت وطأة هذا الحصار المزدوج من الغضب الشعبي والتحذيرات الاقتصادية، لم تنتظر الإدارة الأمريكية طويلًا لتفعيل مسار الطوارئ الذي ينتشلها من الغرق الكامل.
وفي هذا السياق الدقيق، تتطابق المعطيات الميدانية الحديثة مع تحليل قدمه موقع ” العاصفة نيوز” حول تفعيل ما يُعرف بتكتيك “تاكو” (TACO)؛ وهي خطة خروج براجماتية تعتمد على هندسة مخرج إعلامي يتيح لترامب ادعاء تحقيق “إنجاز استراتيجي” يبرر وقف العمليات والانسحاب قبل انفجار قنبلة التضخم في وجه إدارته.
تجسد هذا التكتيك عمليًا وبشكل متسارع يوم أمس الإثنين، حين كشفت وسائل إعلام عن محادثات بالغة السرية تجري بين واشنطن وطهران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بعدها، أعلن ترامب صراحةً عن وجود “محادثات جادة” للتوصل إلى اتفاق بناءً على 15 نقطة رئيسية، في محاولة واضحة لقطف ثمار سياسية سريعة تبرد غضب الشارع الأمريكي وأسواق النفط، حتى وإن كان ذلك على حساب الهدف الأصلي وهو إسقاط النظام الإيراني.
هذا الهروب الأمريكي السريع والمفاجئ نحو طاولة المفاوضات وضع حكومة الائتلاف الإسرائيلي في موقف لا تُحسد عليه. وفي محاولة بائسة لاستيعاب الصدمة، خرج بنيامين نتنياهو في كلمة مصورة ليبرر خطوة حليفه، مدعيًا أن ترامب يسعى لـ “توظيف إنجازات الحرب الهائلة عبر اتفاق يحافظ على المصالح الحيوية”.
ورغم حديث واشنطن عن التهدئة، كابر نتنياهو بالتأكيد على أن قواته ستواصل هجومها لسحق البرنامج النووي، في تصريح يقرأه المحللون كمحاولة يائسة للهروب للأمام وتجنب الظهور بمظهر “المتخلى عنه” أمام لافتات الغضب التي تحاصر مقره في تل أبيب.
تؤكد هذه النهاية الدرامية أن مغامرة إسقاط النظام الإيراني ارتدت كليًا على صحابيها. فقد اختار ترامب النجاة بنفسه عبر صفقة تحفظ مستقبله، تاركًا نتنياهو وحيدًا ومكشوفًا بالكامل أمام نيران الاستنزاف الإيراني ومقصلة المحاسبة الشعبية؛ لتثبت طهران أن “عقيدة المؤسسة” انتصرت في النهاية على طموحات الزعيمين. أو ربما هذا ما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة.
