تتجاوز الحرب الراهنة في الشرق الأوسط حدود المواجهة العسكرية لتتحول إلى عملية “إعادة هندسة” جيوسياسية واقتصادية، تبرز فيها فرضية تخلي أمريكا عن الخليج كحقيقة ميدانية.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور نايف بن نهار مدير مركز ابن خلدون بجامعة قطر، أن واشنطن لم تعد تقايض أمن الحلفاء بالمصالح، بل باتت ترى في استنزاف “النموذج الخليجي” مكسبا استراتيجيا واقتصاديا مباشرا لشركات الطاقة الأمريكية، في لحظة تاريخية تشبه “حرب 56” التي أنهت نفوذ بريطانيا في المنطقة.
وبينما تدفع العواصم الخليجية فاتورة الدمار في بنيتها التحتية جرّاء الهجمات الإيرانية، تسجل ميزانيات شركات الطاقة الأمريكية أرباحا قياسية، مما يعزز أطروحة بن نهار بشأن تحول المنطقة إلى “قربان” لتأمين الهيمنة الأمريكية الجديدة وتدشين “شرق أوسط” تتبدل فيه موازين القوى التقليدية.
نزيف مليارات دول الخليج ومفارقة أرباح واشنطن
إلى جانب ذلك، تحذّر تقديرات “جولدمان ساكس”، من أن الكويت وقطر ربما تشهدان انخفاضا في الناتج المحلي بنسبة 14% في حال استمرت الحرب الجارية حتى نهاية أبريل المقبل. في حين تواجه السعودية والإمارات انكماشا بنسبة 3و5% على التوالي.
في أثناء ذلك، تشير مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس” إلى أن الناتج المحلي الإجمالي بالمنطقة مهدد بالانخفاض بنسبة تتراوح بين 10 إلى 15% إذا استمرت الحرب لمدة 3 أشهر على الأقل، وتسببت في أضرار دائمة للبنية التحتية للطاقة.
ويقدّر بيتر مارتن رئيس قسم الاقتصاد في شركة “وود ماكنزي” في تصريحات لقناة “الجزيرة”، خسائر الإيرادات اليومية في العراق على خلفية انخفاض بنحو 70% من إنتاجها النفطي، بحوالي 3 مليارات دولار.
وفي ظل ذلك، يؤكد بن نهار في تحليله الذي نشره على حسابه بمنصة “إكس”، أن الخسائر الخليجية ليست أضرارا جانبية، بل تصب مباشرة في مصلحة الشركات الأمريكية، خاصة بعد تجاهل واشنطن لتحذيرات وزير الطاقة القطري من أن ضرب الغاز الإيراني سيؤدي بالضرورة لضرب حقول الغاز الخليجية.
اليوم أجّل ترمب ضرب الطاقة في إيران خوفًا على حركة أسعار السوق الأمريكية، لكنه يرى مجتمعات الخليج منذ أكثر من عشرين يومًا وهي تحت الصواريخ الإيرانية واقتصاديات الخليج تتضرر بعشرات المليارات ولم يجعله ذلك يغير شيئًا من قراراته!
حين حذر وزير الطاقة القطري نظيره الأمريكي بأن ضرب…
— Nayef Nahar نايف بن نهار (@binnahar85) March 23, 2026
وتكشف البيانات الصادرة عن شركة تحليل السلع الأساسية “Kpler” في 13 مارس الجاري، أن منتجي النفط في الخليج خسروا نحو 15.1 مليار دولار من عائدات الطاقة منذ بدء الهجمات الإيرانية، والإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز.
وحتى ذلك الوقت، تكبدت السعودية خسائر بلغت 4.5 مليار دولار، بينما يواجه العراق خطرا وجوديا لاعتماده بنسبة 90% على إيرادات النفط لتمويل ميزانية الحكومة، وفقا لبيانات بيتر مارتن، رئيس قسم الاقتصاد في “وود ماكنزي”.
في المقابل، يظهر الوجه الآخر لسياسة تخلي أمريكا عن الخليج في المكاسب الضخمة؛ حيث تتوقع شركة أبحاث الطاقة “Rystad” أن تحصل شركات النفط الأمريكية على مكاسب غير متوقعة تزيد عن 60 مليار دولار هذا العام إذا استقرت الأسعار عند متوسط 100 دولار للبرميل.
ويشير بنك الاستثمار “جيفريز” إلى أن هؤلاء المنتجين حصدوا 5 مليارات دولار كتدفقات نقدية إضافية في شهر مارس وحده، بعد ارتفاع الأسعار بنسبة 47% منذ بدء النزاع في 28 فبراير.
الميدان العسكري والضغوط السياسية لزج الخليج في الحرب
عجز الحماية واستهداف “النموذج الخليجي”
على الصعيد الدفاعي، تكشف منصة “جويش إنسايدر” الأمريكية عن مفارقة ميدانية صارخة في مسار الصراع؛ فبينما تُشن العمليات العسكرية تحت غطاء حماية الحلفاء، تعرضت الإمارات لغالبية الهجمات الإيرانية الصاروخية والمسيرة، وليس إسرائيل.
ومنذ بدء الحرب في 28 فبراير، ردت طهران بشن هجمات واسعة النطاق، إلا أن الإمارات هي التي تحملت وطأة هذا التصعيد؛ ففي 11 مارس وحده، أفادت وزارة الدفاع الإماراتية بأن دفاعاتها الجوية اعترضت 357 صاروخا باليستيا، و15 صاروخ كروز، و1806 طائرة مسيرة، مما يظهر “فشلا في مظلة الحماية الأمريكية” أو بالأحرى واقعا يكرس تخلي أمريكا عن الخليج ميدانيا لصالح إسرائيل.
ويرى بن نهار أن هذه الهجمات ليست عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية تهدف لاستنزاف الخليج وإنهاك مجتمعاته، مستدلا على ذلك بقيام وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” بنشر صور إطلاق الصواريخ من القواعد الموجودة في الخليج، متسائلا عن الهدف من هذا الإجراء سوى زج المنطقة في معركة مباشرة مع طهران.
ويشدد بن نهار، على أن رغبة استنزاف الخليج باتت واضحة في تصريحات المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين الذين يكررون “مشاركة الخليج” في الحرب، بهدف ضرب عصفورين بحجر واحد: إسقاط النظام الإيراني وإسقاط النموذج الخليجي المستقر تمهيدا لتغييرات قادمة.
ضغوط ترامب ودائرته واستياء العواصم الخليجية
في منتصف مارس الجاري، قال الرئيس الأمريكي في تصريحات للقناة 14 العبرية، إن على الدول العربية الانضمام إلى الحرب على إيران، مبررا ذلك بأنها هي من تستفيد من فتح مضيق هرمز بسبب صادراتها النفطية.
في سياق ذلك، تبرز تصريحات سابقة للسيناتور الجمهوري المقرب من الرئيس الأمريكي ليندسي جراهام كأداة ضغط سياسي مباشر؛ حيث توقع انضمام دول الخليج للولايات المتحدة وإسرائيل في هجومها على إيران، زاعما بعد إحاطة سرية في مجلس الشيوخ أن “الشركاء العرب سيشاركون بشكل أكبر وليس أقل”. وهي التصريحات التي يراها بن نهار “تهديدا مبطنا” للخليج للمشاركة في حرب لا تنقص أمريكا فيها القدرات العسكرية، بل تهدف لاستنزاف الحلفاء.
وتؤكد وكالة “رويترز” نقلا عن مصادر خليجية مطلعة، وجود استياء متأصل بالمنطقة تجاه الرئيس الأمريكي؛ موضحة أن الاعتقاد السائد هو أن ترامب جرّ دول الخليج إلى حرب “شكّلتها إسرائيل” دون إعداد خطط مسبقة ودون دراسة للعواقب على حلفائه.
وأوضح مسؤول خليجي، أن قرار شن الحرب صاغته دائرة صغيرة حول الرئيس الأمريكي، واصفا إياهم بأنهم “رجال أعمال وصانعو صفقات، وليسوا صانعي سياسات محترفين”.
ونقلت الوكالة عن 3 مصادر إقليمية أن المطارات والفنادق والموانئ والمنشآت النفطية تعرضت لضربات إيرانية أدت لتراجع ثقة قطاع الأعمال. وقالت ابتسام الكتبي رئيسة مركز سياسات الإمارات: “إنها ليست حربنا.. ومع ذلك فإننا ندفع الثمن في أمننا واقتصادنا”.
وحذّرت الكاتبي، من أن تخلي أمريكا عن الخليج في هذا التوقيت سيعني ترك المنطقة في مواجهة “أسد جريح”، حيث ستظل إيران تشكل تهديدا مستمرا إذا انسحبت واشنطن دون تحقيق نصر حاسم أو تركت فراغا في السلطة تعاني منه الدول المجاورة.
مخاطر انضمام دول الخليج للحرب وسيناريو “النصر” المنفرد
تخلي أمريكا عن الخليج بين المطرقة والسندان
يرصد معهد “تشاتام هاوس” جملة من المخاطر الوجودية التي تكتنف قرار انضمام دول المنطقة للحرب ضد إيران، معتبرا أن هذه الدول باتت “عالقة بين المطرقة والسندان”.
ووفقا للمعهد، قد يؤدي الانخراط الخليجي المباشر في الحرب إلى قصف إيراني أكثر كثافة للأصول الحيوية التي تحاول دول الخليج حمايتها، بما في ذلك حقول النفط والمطارات ومراكز البيانات ومحطات تحلية المياه.
وما يزيد من خطورة المشهد هو إدراك العواصم الإقليمية لواقع تخلي أمريكا عن الخليج عسكريا؛ حيث يؤكد المعهد أن “إسرائيل تظل الأولوية الأمريكية القصوى”، خاصة في ظل النقص الحاد الذي تواجهه واشنطن في الصواريخ الاعتراضية عالميا، مما يترك سماء الخليج مكشوفة تكتيكيا.
ويرى محللو “تشاتام هاوس”، أن خطرا ثانيا يتمثل في “تقلب المزاج السياسي” في واشنطن؛ إذ قد يقرر الرئيس دونالد ترامب وقف العمليات العسكرية ضد إيران بشكل مفاجئ وإعلان “النصر”، تاركا إسرائيل ودول الخليج العربي وحدها في الميدان لمواجهة نظام إيراني لم يسقط تماما، بل صار أكثر رغبة في الانتقام.
هذا السيناريو سيؤدي حتما إلى تعقيد العلاقات بين ضفتي الخليج بشكل غير مسبوق، وقد ينتهي بقطعها تماما، خاصة وأن هذه العلاقات لم تُبنَ أصلا على الثقة، وستُحاسب إيران جيرانها على أي مواجهة عسكرية مباشرة، مما سيزيد من انعدام الثقة لعقود قادمة.
وفي ظل تصاعد الضربات الإيرانية، يجد القادة أنفسهم أمام واقع مرير؛ فالنهج الدفاعي وحده قد يصبح غير قابل للاستمرار بسبب كلفته واستنزافه للمنظومات، لكن الانضمام للحملة الأمريكية الإسرائيلية قد ينقلب ضد استقرار هذه الدول.
ويخلص المعهد إلى أن هذا القرار “صعب للغاية ومحفوف بالمخاطر”، خاصة وأن دول الخليج تشعر أنها مضطرة لاتخاذه بمفردها، في ظل تآكل الثقة في إمكانية الاعتماد على واشنطن كما كان الحال في السابق، وهو ما يعزز قناعة تخلي أمريكا عن الخليج عند المنعطفات التاريخية الحاسمة.
تصدع “مقايضة الحماية” والبحث عن بدائل أمنية
إعادة تقييم التحالفات بعد ثبوت تخلي أمريكا عن الخليج
تسببت الحرب الحالية في دفع دول المنطقة نحو إعادة تقييم جذرية لاعتمادها الأمني على واشنطن، وسط مؤشرات متزايدة على إمكانية إشراك طهران في ترتيبات إقليمية جديدة رغم انهيار الثقة، وفقا لـ”رويترز“.
وفي هذا السياق، يوضح فواز جرجس الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد، أن العلاقات بين الطرفين استندت لعقود على مقايضة ضمنية تتمثل في تقديم الطاقة ورأس المال الخليجي، بما في ذلك مئات المليارات المنفقة على السلاح والتكنولوجيا الأمريكية، مقابل الحماية.
ويؤكد جرجس أن الحرب الراهنة زعزعت هذه الافتراضات، مما دفع العواصم الخليجية لتسريع جهود تنويع الشراكات الخارجية، بعد إدراكها أنها “لا تستطيع الاعتماد حقا على الولايات المتحدة لحماية مواردها وسيادتها وشعوبها”، وهو ما يكرس واقع تخلي أمريكا عن الخليج استراتيجيا.
تعيد هذه المخاوف للأذهان “التقاعس الأمريكي” عن الرد عقب هجمات 2019 على منشأتي بقيق وخريص السعوديتين، وهو ما يراه عبد العزيز صقر رئيس مركز أبحاث الخليج، دليلا على فشل واشنطن في إعداد ضمانات لحلفائها أو تأمين تدفقات الطاقة خلال الأزمات.
ويضيف صقر في تصريحاته لـ”رويترز”، أن التكلفة الاقتصادية الحالية على دول الخليج باتت “فظيعة”، مشددا على أن القوى الخارجية تميل لاتخاذ قراراتها بناء على مصالحها الخاصة وليس مصالح المنطقة، مما يفرض على دول الخليج تبني نهج أكثر توازنا وحذرا، خاصة بعد أن أثبتت الحرب حدود الاعتماد على الضمانات الخارجية.
استراتيجية “البقاء والنصر” وانتقائية الاستهداف
من جانبه، يحلل روب ماكير السفير البريطاني السابق لدى إيران وعضو مجلس “تشاتام هاوس“، العقلية الإيرانية في هذا الصراع، مؤكدا أن طهران تلعب “لعبة طويلة الأمد” محورها بقاء النظام، حيث تعتبر أن مجرد “البقاء يساوي النصر”.
ويفكك ماكير استراتيجية إيران في الحرب الدائرة، موضحا أن طهران تدرك عدم قدرتها على خوض حرب مباشرة ضد التفوق الأمريكي، لذا تسعى لإضفاء طابع إقليمي على الصراع بجر دول الخليج الغنية إليه، عبر استهداف حقول النفط والمطارات والمباني المدنية، لإجبارها على الضغط على الرئيس ترامب لوقف إطلاق النار.
ويتفق هذا التحليل مع رؤية الدكتور نايف بن نهار حول “انتقائية البطش” الإيراني؛ حيث يتساءل عن سبب استهداف طهران لمخازن المياه والمدينة التعليمية في الخليج بحجة القواعد الأمريكية، بينما تتجنب استهداف أنابيب الغاز في أذربيجان التي تضم قواعد إسرائيلية وتغذي ثلث موارد إسرائيل من الغاز.
ويرى بن نهار، أن هذا السلوك يكشف عن رغبة إيرانية موازية للرغبة الأمريكية في استنزاف الخليج، محذرا من أن خروج طهران من منطق الدفاع إلى الانتقام قد يشرعن “إدماج إسرائيل” في المنظومة الأمنية الخليجية، وهو ما يعتبره “أكبر كارثة” استراتيجية قد تواجه المنطقة.
توبيخ علني ولحظة انكسار الهيمنة
وفي توبيخ علني نادر للسياسة الأمريكية، شكك رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور في أهداف الحرب، متسائلا في منشور على حساباته بمنصات التواصل الاجتماعي: “الرئيس دونالد ترامب، سؤال مباشر: من منحك الصلاحية لجر منطقتنا إلى حرب مع إيران؟”.
وأوضح الحبتور في منشوره الذي حذفه لاحقا، أن دول المنطقة هي أول من يعاني من هذا التصعيد، منتقدا تجاهل واشنطن للتكاليف والأضرار الجانبية التي لحقت بالخليج جراء صراع لم يكن طرفا فيه.
وفي إسقاط مباشر، يشابه بن نهار وضع الهيمنة الأمريكية اليوم بحال بريطانيا عقب حرب 1956، معتبرا إياها “بداية النهاية” لنفوذ واشنطن.
ويحذّر خبراء “تشاتام هاوس”، من أن الاستمرار في النهج الدفاعي وحده سيستنزف المنظومات الدفاعية الخليجية باهظة الثمن بمسيرات وصواريخ إيرانية رخيصة الكلفة، مما يجعل الانتقال للهجوم خيارا يبدو منطقيا تشغيليا، لكنه محفوف بمخاطر “الأسد الجريح” وتفعيل الخلايا النائمة، مما يضع دول المنطقة بين مطرقة واشنطن وسندان طهران، في ظل ثبوت تخلي أمريكا عن الخليج عند أول اختبار حقيقي للمصالح.
البحث عن بدائل ومشروع “الشرق الأوسط الجديد”
تآكل الضمانات والاستنجاد بـ “الخبرة الأوكرانية”
لم يستغرق الأمر سوى أيام من الهجمات الإيرانية المكثفة حتى أدركت دول المنطقة، التي لطالما اعتمدت على الضمانات الأمنية الأمريكية، حاجتها لمساعدة عاجلة من أطراف أخرى.
ووفقا لصحيفة “نيويورك تايمز“، أدى النقص الحاد في الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن والمصنوعة في الولايات المتحدة إلى تحول استراتيجي؛ حيث تواصلت السعودية مع أوكرانيا للاستفادة من خبرتها الميدانية في التصدي للمسيرات الروسية المصممة على غرار الطائرات الإيرانية. بينما حصلت الإمارات على مساعدة من فرنسا وأستراليا، في حين طلبت عدة حكومات خليجية من إيطاليا تزويدها بأنظمة مضادة للمسيرات والطائرات.
ويعكس هذا التحول شكوكا عميقة لدى قادة المنطقة في جدوى الحماية الأمريكية؛ حيث يجدون أنفسهم اليوم في مرمى نيران حرب إقليمية أشعلتها حليفتهم واشنطن.
وفي أول دعوة علنية تشكك في فعالية المظلة الأمريكية، دعا وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي دول الخليج إلى مراجعة استراتيجياتها الدفاعية.
ويتعزز تزايد هذا النقاش في تصريحات عبدالعزيز الغشيان الباحث السعودي والزميل في “منتدى الخليج الدولي”، لصحيفة “نيويورك تايمز”، مؤكدا: “يتضح أكثر فأكثر أن الشيء المؤكد هو أنه لا توجد ضمانات”، وهو ما يرسخ قناعة تخلي أمريكا عن الخليج كواقع جيوسياسي جديد.
ونقلت شبكة “إن بي سي نيوز” عن مسؤول أمريكي، أن دول الخليج تتوق إلى رؤية نهاية للصراع، ولكن في حين أن البعض يريد من الولايات المتحدة إيجاد مخرج في أسرع وقت ممكن، فإن البعض الآخر أكثر قلقا من أن تترك الولايات المتحدة النظام الإيراني ليس فقط سليما، بل انتقاميا.
نبوءة “إسرائيل الكبرى” وإعادة تشكيل المنطقة
يتوقف الدكتور نايف بن نهار عند تكرار المسؤولين الإسرائيليين، بما في ذلك بنيامين نتنياهو، لمصطلح “إعادة تشكيل شرق أوسط جديد”، مؤكدا أن هذا المصطلح يعني أن الخليج جزء مستهدف في عملية إعادة التشكيل وليس إيران وحدها.
ويرى بن نهار أن “إسرائيل الكبرى” ليست مجرد أساطير دينية أو يمين متطرف، بل هي مشروع يُنفذ ميدانيا؛ فحين أشار نتنياهو إليها في خريطة رسمية، كان يعلن عن خطة تهدف لإنهاك كافة القوى الإقليمية لضمان هيمنة مطلقة لا تترك مجالا لنموذج خليجي مستقل.
ويضيف بن نهار أن إسقاط النظام في إيران هو مجرد “الخطوة الأولى” في هذا المشروع، متسائلا عن موقع الخطوة الثانية التي تستهدف استنزاف ثروات الخليج وتفكيك بنيته المستقرة.
وخلال حملته الانتخابية في أغسطس 2024، قال ترامب في تصريحات للقناة 12 العبرية: “مساحة إسرائيل تبدو صغيرة على الخارطة، ولطالما فكّرت كيف يمكن توسيعها”.
وتجلى توجه إدارة ترامب، لاحقا في فبراير الماضي، حين صرّح سفيره لدى تل أبيب مايك هاكابي، بأنه سيكون من الجيد استيلاء إسرائيل على المنطقة بأكملها، مدعيا أن لها حق ديني في السيطرة على مساحات واسعة من الشرق الأوسط تشمل أجزاء من لبنان وسوريا والعراق والأردن والسعودية، فيما يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى”.
“لحظة 1956” والفرصة التاريخية
يخلص الدكتور نايف بن نهار في تحليله إلى أن المنطقة تعيش حاليا المرحلة الأخيرة من الهيمنة الأمريكية، مشبها الحرب الحالية بـ”حرب 56″ التي كانت مسمارا في نعش النفوذ البريطاني.
ويرى أن ثبوت تخلي أمريكا عن الخليج مقابل أرباح شركات الغاز والنفط في الولايات المتحدة يفرض على العواصم الخليجية سؤالا مصيريا: “كيف نحوّل هذه الأزمة إلى فرصة تضمن ألا نقع مرة أخرى بين مطرقة أمريكا وسندان إيران؟”
هذه الوقائع، بحسب بن نهار، تؤكد أن “جنرال الجغرافيا” و”جنرال الصمود” هما من يحسمان المعركة في النهاية، مما يوجب على دول الخليج صياغة استراتيجية مستقلة ترفض أن تكون “أضرارا جانبية” في صفقات القوى الكبرى، وتسعى لانتزاع سيادتها بعيدا عن وهم الحماية الأمريكية المتآكل.
