في سابع أيام عيد الفطر، وتحت أشعة شمس مارس الدافئة، تتجه أنظار أهالي كريتر إلى هضبة المعاشيق حيث يقبع قصر الرئاسة المطل على بحر حقات، ذلك الشاطئ الذي ظل لعقود مغلقًا أمام العائلات والمواطنين، رغم كونه المتنفس الطبيعي الوحيد القريب من الأحياء السكنية في قلب المدينة، وهو شاطئ عام كان مفتوحًا للجميع قبل أن تستأثر به السلطة.

ففي مفارقة لافتة، يقيم أرفع المسؤولين في قصر يطل على شاطئ عام، بينما يمنع الأهالي من الوصول إليه بفعل أسوار وإجراءات أمنية مشددة، في استمرار لسياسة بدأت بعد غزو صيف 1994 للجنوب وحوّلت المنطقة بالكامل إلى منطقة مغلقة.

شاطئ “أبو الوادي”.. متنفس سابق تحت الحصار

كان أسفل هضبة معاشيق الواقعة على واجهة بحر حقات، يمتد شاطئ بديع عُرف باسم “أبو الوادي”، بطول كيلومتر أو يزيد، يتميز بدفء مياهه ورماله الذهبية. كان الأهالي يقصدونه للراحة والاستمتاع بالسباحة، قبل أن يتحول كل شيء بعد حرب 1994.

ففي أعقاب الحرب، تم تصنيف المنطقة كمنطقة عسكرية مغلقة، وطُردت الأسر التي كانت تسكن حقات وحواشي معاشيق، وأقيمت الأسوار لتحويل المنطقة إلى مقر رئاسي محصن.

استيلاء وتحويل.. من شاطئ عام إلى حديقة رئاسية خاصة

في مشهد يعكس تحول الممتلكات العامة إلى خاصة، تشير تقارير وتحقيقات إلى أن فترة ما بعد حرب 1994 شهدت عمليات استيلاء على أراضٍ وممتلكات عامة في عدن، حيث بسطت جهات نافذة سيطرتها على قصر المعاشيق ومنطقة حقات. لتتحول المنطقة عمليًا إلى حديقة رئاسية خاصة مغلقة، لا يدخلها إلا المقربون وكبار المسؤولين.

وظلت المنطقة مغلقة تحت قبضة أولاد الشيخ القبلي الشمالي “عبدالله الأحمر” حتى تم تحريرها على يد المقاومة الجنوبية في يوليو عام 2015.

ومنذ ذلك الحين، اتخذت السلطات المتعاقبة من القصر مقرًا رسميًا، بدءًا من الرئيس عبد ربه منصور هادي ثم مجلس القيادة الرئاسي، فيما ظل ساحل حقات خلف الأسوار، محتجزًا بعيدًا عن أهالي كريتر الذين يتذكرون جيدًا أيام كان الشاطئ مفتوحًا أمام الجميع.

حرمان لعقود.. وشهادات من قلب المعاناة

تقول الشابة هدى أحمد (22 عامًا) لـ”النقابي الجنوبي”: “حُرم الكثيرون من أفضل المواقع الساحلية وأحدها كان قصر المعاشيق. توارد على بالي عدة أسئلة: ألسنا الأحق بزيارة هكذا أماكن؟ فلماذا أغلق ساحل حقات طول هذه الفترة؟”.

وتضيف: “نحن أبناء كريتر لا نملك شاطئًا سوى حقات، لكنه مغلق، وجولدمور بعيد ومزدحم ولا يكفينا، خصوصًا في الأعياد والمناسبات. اليوم هي الجمعة الثانية من العيد، ونحن نتمنى لو كنا على شاطئ حقات بدل أن ننظر إليه من بعيد”.

ويؤكد ناشطون ومواطنون أن استمرار إغلاق الساحل يمثل حرمانًا غير مبرر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مساحات آمنة ومفتوحة للعائلات، خاصة مع وصول أعداد الزوار إلى مستويات غير مسبوقة في الشواطئ الأخرى خلال أيام عيد الفطر.

مطالب بفتح الشاطئ.. وإمكانية ترتيبات أمنية

تداولت منصات التواصل الاجتماعي دعوات واسعة تطالب الجهات المختصة بإعادة النظر في قرار الإغلاق، مع التأكيد على إمكانية إيجاد ترتيبات أمنية تحقق السلامة للقصر الرئاسي دون حرمان المواطنين من حقهم في الوصول إلى شاطئهم العام.

ويرى مراقبون أن فتح ساحل حقات وتنظيمه أمنيًا قد يسهم في تخفيف الضغط عن ساحل جولدمور الذي يشهد إقبالًا كثيفًا على مدار العام، كما سيمثل خطوة إيجابية تعكس استجابة للنبض الشعبي وتدعم استعادة الطابع المدني والسياحي لمدينة عدن.

ويطالب ناشطون الحكومة، التي تتخذ من القصر المطل على الشاطئ مقرًا لها، بالتدخل لإنهاء هذا الحرمان المستمر، مؤكدين أن “كريتر تستحق أن تستعيد متنفسها الوحيد بعد عقود من الإغلاق”.

ويبقى السؤال الذي يطرحه أهالي كريتر في كل عيد وكل مناسبة: متى يعود بحر حقات إلى أهله؟

شاركها.