تشهد الساحة الجنوبية حالة من الحراك السياسي والشعبي المتصاعد في ظل ما يتم تداوله بشأن ترتيبات واتصالات سياسية تجري بعيدًا عن الإرادة الجنوبية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلات واسعة حول مستقبل القضية الجنوبية وحدود أي تفاهمات يمكن أن تمس واقعًا صنعه الجنوبيون بسنوات من النضال والتضحيات.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه التحركات الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب المشهد اليمني، تتعالى الأصوات الجنوبية الرافضة لأي مقاربات تتجاوز حقيقة أن الجنوب بات يمتلك قضية سياسية واضحة ومؤسسات قائمة وقوات مسلحة أثبتت حضورها على الأرض، وهو ما يجعل تجاهل هذه المعطيات مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر.

ويرى مراقبون أن الجنوب لم يعد كما كان قبل سنوات الحرب، إذ نجح في بناء معادلة جديدة فرضت نفسها على الواقع السياسي والعسكري، بدءًا من تحرير الأرض وتأمين المدن، وصولًا إلى تأسيس شراكات إقليمية أسهمت في مواجهة المشاريع التي هددت أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

وخلال السنوات الماضية، قدم الجنوبيون آلاف الشهداء والجرحى في معارك مصيرية ضد مليشيات الحوثي الإرهابية والتنظيمات المتطرفة، وتمكنت القوات المسلحة الجنوبية من تحقيق نجاحات ميدانية لافتة جعلتها في مقدمة القوى التي واجهت التهديدات الأمنية والعسكرية، وأسهمت بشكل مباشر في حماية العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية وتأمين خطوط الملاحة الدولية الممتدة من خليج عدن إلى باب المندب.

ويؤكد الشارع الجنوبي أن تلك التضحيات لا يمكن أن تتحول إلى أوراق تفاوض أو أدوات للمساومة السياسية، مشددًا على أن أي مشروع سياسي يتجاهل إرادة أبناء الجنوب أو يحاول الالتفاف على حقوقهم الوطنية سيواجه برفض واسع على المستويين الشعبي والسياسي.

وفي هذا الصدد تبرز مخاوف متزايدة من محاولات منح المليشيات الحوثية مكاسب سياسية أو اقتصادية تحت عناوين التسوية أو التهدئة، وهو ما تعتبره قطاعات واسعة من الجنوبيين خطوة من شأنها إعادة إنتاج الأزمة بدلًا من حلها، خصوصًا في ظل استمرار الجماعة في تبني خطابها التصعيدي وتحشيد عناصرها العسكرية في عدد من الجبهات.

ويرى محللون أن أي تسوية لا تستند إلى معالجة جذور الصراع الحقيقية ستبقى عرضة للفشل، مؤكدين أن استقرار المنطقة يتطلب الاعتراف بالحقائق التي أفرزتها السنوات الماضية، وفي مقدمتها وجود قضية جنوبية عادلة تحظى بإجماع شعبي واسع وتتمتع بقيادة سياسية ممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الرئيس القائد اللواء عيدروس قاسم الزُبيدي.

وخلال المرحلة الماضية، تمكن الرئيس الزُبيدي من ترسيخ حضور القضية الجنوبية في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، وتحويلها من قضية محلية إلى ملف سياسي حاضر على طاولة النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة، وهو ما عزز من مكانة الجنوب كلاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات قادمة.

وتؤكد الأوساط السياسية الجنوبية أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر صفقات مؤقتة أو تفاهمات جزئية، بل من خلال حلول عادلة ومستدامة تعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها وتحفظ أمنها واستقرارها. ومن هذا المنطلق، يتمسك الجنوبيون بحقهم في استعادة دولتهم وبناء مؤسساتهم الوطنية وفق إرادة شعبية حرة بعيدة عن الإملاءات والضغوط.

كما أن الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها الجنوب تضيف بعدا إقليميا ودوليا بالغ الأهمية، فالموقع الجغرافي المطل على أهم الممرات البحرية العالمية يجعل من أمن الجنوب واستقراره عنصرا أساسيا في حماية التجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي. وقد أثبتت التجارب أن القوات الجنوبية كانت شريكًا فاعلًا في حماية هذه المصالح الحيوية عندما تعرضت المنطقة لتهديدات متزايدة خلال السنوات الماضية.

ومع استمرار التطورات السياسية المتسارعة، تتجه الأنظار إلى كيفية تعامل الأطراف الإقليمية والدولية مع الرسائل الصادرة من الشارع الجنوبي، والتي تؤكد بوضوح أن زمن تجاوز الجنوب أو التعامل مع قضيته كملف هامشي قد انتهى، وأن أي مشروع لا يضع إرادة شعب الجنوب في صدارة أولوياته سيصطدم بحقائق سياسية وميدانية يصعب القفز فوقها.

اليوم، يقف الجنوب أمام مرحلة مفصلية من تاريخه السياسي، مستندا إلى رصيد كبير من التضحيات والإنجازات، وإلى إرادة شعبية راسخة تؤمن بأن مستقبل الجنوب يجب أن يُصنع بإرادة أبنائه، وأن الحقوق الوطنية لا يمكن أن تكون محل مساومة مهما تعاظمت الضغوط أو تعددت الحسابات السياسية.

وفي ظل هذه الظروف، يواصل الجنوبيون التأكيد على أن مشروعهم الوطني يمثل خيارا استراتيجيًا لضمان الأمن والاستقرار والتنمية، وأن أي مسار سياسي ناجح لا بد أن ينطلق من الاعتراف بهذه الحقيقة والتعامل معها بوصفها أساسا لأي سلام دائم وعادل في المنطقة.

شاركها.