في مثل هذا اليوم من السابع وعشرين من أبريل 1994م، لم يكن الجنوب على موعدٍ مع معركة عابرة، بل مع لحظة مفصلية دشّنت حربا شاملة استهدفت كل ما يشكّل جوهره ؛ الأرض والإنسان، الهوية والتاريخ، والثروة والقرار. كان إعلان الحرب في 27 أبريل بمثابة بداية مشروعٍ قسري أراد إخضاع الجنوب بالقوة، عبر أدوات عسكرية وسياسية وإعلامية، سعت إلى تفكيك بنيته الاجتماعية، ومصادرة إرادته، وإعادة تشكيل وعيه بما يخدم قوى الهيمنة والنفوذ.
غير أن تلك الحرب، التي بلغت ذروتها في السابع من يوليو 1994م، حين فُرضها الاحتلال اليمني واقعٌ بالقوة وحُوّلت الوحدة إلى أداة إخضاع، لم تنجح في إنهاء قضية الجنوب كما خُطّط لها، بل على العكس، فجّرت في وجدان الجنوبيين حالة رفضٍ تاريخية، وتحولت إلى شرارة وعيٍ متقد، ظلّ يتنامى جيلاً بعد جيل، رافضًا كل أشكال التهميش والإقصاء. لقد أثبت الجنوب، منذ تلك اللحظة، أن القضايا العادلة لا تُهزم، وأن إرادة الشعوب لا تُكسر مهما اشتدّت الضغوط.
وعلى امتداد السنوات، لم يكن الجنوب ساكنا تحت وطأة الواقع المفروض، بل أعاد ترتيب صفوفه، وشيّد وعيا وطنيا متماسكا، حتى جاءت محطة إعلان عدن التاريخي في 2017م، التي شكّلت تحوّلًا نوعيًا في مسار القضية الجنوبية، حيث انتقل الجنوب من حالة المقاومة المتفرقة إلى مشروع سياسي وطني متكامل، يستند إلى التفويض الشعبي، ويعبّر عن إرادة جماعية واضحة المعالم.
ولقد أفرزت تلك المرحلة قيادة سياسية موحّدة، التفّ حولها الشارع الجنوبي، ممثّلة بالرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، الذي أصبح عنوانًا لإرادة شعب، ورمزًا لمشروع استعادة الدولة، مدعومًا بقوات مسلحة جنوبية أثبتت حضورها كركيزة أساسية لحماية المكتسبات والدفاع عن الأرض والهوية. ولم يعد الجنوب كما كان قبل 2017، بل بات رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية، يمتلك قراره، ويصوغ مستقبله بثقة وثبات.
واليوم، ومع اقتراب الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي، تتجدد الدلالات العميقة لهذا التحول، حيث لم يعد هذا اليوم مجرد مناسبة زمنية، بل محطة وطنية مفصلية تُجسد فيها الإرادة الشعبية في أبهى صورها، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين القيادة والشعب على قاعدة التفويض والثقة والمصير المشترك. إنه يوم يؤكد أن الجنوب لم يعد ساحةً للآخرين، بل أصبح مشروعا وطنيا متكاملا يسير بثبات نحو استعادة دولته.
كما إن 27 أبريل، بكل ما يحمله من ألمٍ وذاكرة ، لم يعد مجرد ذكرى حرب ، بل تحوّل إلى نقطة انطلاق نحو وعيٍ جديد، وإرادةٍ لا تقبل الانكسار ، وبين الأمس واليوم، رسم الجنوب مسارًا مختلفًا، عنوانه الصمود، ومرتكزه الوحدة الوطنية، وهدفه استعادة الدولة كاملة السيادة. وفي هذا المسار، يثبت الجنوبيون يومًا بعد آخر أن التاريخ لا يُكتب بالقوة، بل بالإرادة، وأن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها، لا بد أن تنتصر.

