يمر المشروع الوطني الجنوبي بمنعطف تاريخي بالغ الأهمية، يتسم بقدر عالٍ من النضج السياسي والتماسك المؤسسي، في ظل قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي نجح خلال سنوات وجيزة في إعادة صياغة مسار القضية الجنوبية ضمن أطر منظمة، نقلتها من حالة الفعل الجماهيري العفوي إلى مستوى الفاعلية السياسية المؤثرة إقليمياً ودولياً.

ومنذ إعلان عدن في الرابع من مايو، تشكلت نقطة تحول فارقة أعادت رسم ملامح الحراك الجنوبي، حيث انطلقت مرحلة جديدة اتسمت بالتخطيط الاستراتيجي والعمل المنهجي، بقيادة الرئيس عيدروس بن قاسم الزُبيدي، الذي قاد عملية الانتقال من خطاب الاحتجاج إلى بناء مشروع سياسي متكامل يمتلك أدوات التأثير وحضوراً متنامياً في دوائر صنع القرار.

وخلال السنوات الماضية، استطاع المجلس الانتقالي أن يرسخ حضور القضية الجنوبية على الساحة الدولية، مستفيداً من حالة الالتفاف الشعبي الواسع، ليحول هذا الزخم إلى قوة سياسية منظمة تعكس تطلعات شعب الجنوب وتدافع عنها في مختلف المحافل، في خطوة عززت من مكانته كحامل رئيسي للقضية وممثل لتطلعاتها .. ولم تكن هذه المسيرة خالية من التحديات، بل واجهت اختبارات معقدة على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، غير أن القيادة الجنوبية تمكنت من تجاوزها عبر بناء مؤسسات فاعلة وتطوير أدوات العمل السياسي، إلى جانب تأسيس قوات عسكرية وأمنية لعبت دوراً محورياً في تثبيت الأمن والاستقرار، وتعزيز موقع الجنوب كشريك موثوق في جهود مكافحة الإرهاب.

كما ، يكتسب الحشد الجماهيري المرتقب في الرابع من مايو أهمية استثنائية، إذ يتجاوز كونه مناسبة رمزية ليشكل مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة، يعكس حجم التأييد الشعبي للمسار القائم، ويؤكد استمرار التفويض الشعبي للقيادة السياسية في إدارة المرحلة المقبلة.

كما يحمل هذا المشهد الجماهيري رسائل متعددة الأبعاد، في مقدمتها التأكيد على أن المجلس الانتقالي يمثل إرادة شعبية حقيقية، وأن محاولات التأثير على هذا المسار عبر الضغوط الاقتصادية أو الحملات الإعلامية لم تنجح في إضعاف هذا التماسك، بل زادت من صلابة الموقف الشعبي ووضوح أهدافه.

كما يمثل هذا الزخم الشعبي كعنصر قوة أساسي يعزز من موقف القيادة الجنوبية في أي مسارات تفاوضية قادمة، إذ يمنحها شرعية مضاعفة تستند إلى دعم جماهيري واسع، ويضع سقفاً واضحاً لأي حلول سياسية، بحيث تبقى منسجمة مع تطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته كاملة السيادة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو الجنوب العربي اليوم أكثر تنظيماً وثقة في مساره، مستنداً إلى وحدة داخلية متماسكة ورؤية سياسية واضحة، ما يعكس انتقاله من مرحلة المطالبة إلى مرحلة فرض الحضور، مدفوعاً بإرادة شعبية ترى في استعادة الدولة هدفاً لا يقبل المساومة.

وبينما تتجه الأنظار إلى الرابع من مايو، تتجدد ملامح المشهد الجنوبي كحالة سياسية متكاملة، قوامها قيادة منظمة، وقاعدة شعبية واسعة، ومشروع وطني يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق غايته النهائية في بناء دولة مستقلة تستند إلى مبادئ العدالة والسيادة والاستقرار.

شاركها.