العاصفة نيوز/ خاص

كتب/ عبدالكريم أحمد سعيد

لقد شهد الجنوب خلال العقود الماضية سلسلة من التحولات المعقدة، كان أبرزها انتقال المزاج الشعبي من حالة الاعتراض السياسي إلى مرحلة أكثر نضجاً وتنظيماً في التعبير عن تطلعاته الوطنية. وهذا التحول لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكم طويل من الإحساس بالتهميش والإقصاء، وما رافقه من اختلالات سياسية واقتصادية وأمنية عمقت القناعة لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين بأن معالجة القضية لا يمكن أن تتم عبر حلول شكلية أو تسويات جزئية لا تلامس جوهر المشكلة.
ومن منظور سياسي، فإن استمرار حضور قضية شعب الجنوب رغم كل المتغيرات يؤكد أن المسألة تجاوزت إطار النخب أو القوى السياسية التقليدية، وأصبحت مرتبطة بوعي شعبي واسع يرى في الجنوب قضية هوية ومستقبل وحق سياسي وطني مشروع. ولهذا فشلت محاولات إضعاف هذا الحضور، سواء عبر الضغوط العسكرية أو الحملات الإعلامية أو محاولات تفكيك الصف الجنوبي من الداخل، لأن أي مشروع وطني حين يستند إلى قاعدة اجتماعية مؤمنة به يصبح أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات والصمود أمام التحديات.
كما أن القراءة الواقعية للمشهد تكشف أن الجنوب لم يعد يتعامل مع قضيته بمنطق ردود الفعل، بل بمنطق بناء مسار سياسي يسعى إلى تثبيت حضوره في المعادلة الإقليمية والدولية. فالتضحيات الكبيرة التي قدمها الجنوبيون خلال السنوات الماضية لم تعد مجرد ذاكرة نضالية، بل تحولت إلى عنصر قوة سياسية وأخلاقية يصعب تجاهله عند الحديث عن مستقبل المنطقة وترتيباتها القادمة.
وفي هذا السياق، تبدو أهمية الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي وتعزيز الخطاب السياسي العقلاني والدبلوماسي باعتبارهما عاملين أساسيين في حماية القضية من محاولات الاستنزاف أو الانقسام. فالتجارب التاريخية تؤكد أن القضايا الوطنية العادلة قد تتعرض للتعثر أو التأخير، لكنها لا تنتهي طالما بقيت حاضنة شعبية تؤمن بها وتدافع عنها بوعي ومسؤولية.
الجنوب اليوم يقف أمام مرحلة مختلفة تتطلب الانتقال من مجرد الدفاع عن الحق إلى ترسيخ مشروع سياسي قادر على إدارة التحديات وبناء شراكات متوازنة مع محيطه الإقليمي والدولي. فالعالم لا يتعامل فقط مع الشعارات، بل مع الوقائع التي تفرض نفسها على الأرض، والجنوب استطاع عبر صمود شعبه وتماسك قضيته أن يرسخ نفسه كفاعل سياسي لا يمكن تجاوزه أو القفز على تطلعاته الوطنية.
إن حضور قضية شعب الجنوب لم يكن نابعاً فقط من موازين القوة السياسية والعسكرية، بل من قدرتها على البقاء حية في وجدان الشعب رغم كل محاولات الإضعاف، باعتبارها قضية تستند إلى شرعية شعبية متجذرة حافظت على استمراريتها عبر مختلف المراحل. وهذه الحقيقة هي ما يجعل الجنوب حاضراً اليوم كقضية وطنية مستمرة، لا كمشروع عابر تحكمه المصالح المؤقتة أو الحسابات الضيقة.

شاركها.