يشهد الجنوب العربي مرحلة بالغة الحساسية في ظل تعقيدات سياسية وعسكرية متسارعة التي فرضتها الرياض على المشهد العام في الجنوب، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الاختلالات الأمنية والاقتصادية التي ألقت بظلالها على حياة المواطنين وعلى واقع الجبهات العسكرية الممتدة في أكثر من محافظة.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد الأصوات الجنوبية التي ترى أن ما تشهده الساحة من ضغوط اقتصادية وخدمية متراكمة لا يمكن فصله عن المشهد السياسي والعسكري الأوسع التي تمارسه السعودية تجاه أبناء الجنوب، معتبرة أن استمرار الأزمات وتراجع الدعم الموجه لبعض القطاعات الحيوية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المؤسسات المدنية والعسكرية على أداء مهامها في ظروف استثنائية تمر بها المنطقة.
وتشير قراءات سياسية جنوبية إلى أن أي إضعاف للقدرات الأمنية والعسكرية في المحافظات الجنوبية من شأنه أن يخلق بيئة أكثر تعقيداً أمام الجهود الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس التي ظلت خلال السنوات الماضية تمثل حائط صد أمام التهديدات القادمة من الشمال.
وتبرز في هذا السياق أهمية القوات المسلحة الجنوبية التي تمكنت، وفق مراقبين، من ترسيخ معادلة أمنية أسهمت في حماية عدد من محافظات الجنوب العربي من مخاطر التمدد العسكري للجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، فضلاً عن دورها في تأمين طرق الملاحة والممرات الاستراتيجية الواقعة ضمن نطاق مسؤولياتها.
ومع استمرار التحديات الراهنة، تزداد المخاوف من أن يؤدي أي فراغ أمني أو تراجع في الجاهزية العسكرية إلى منح الأطراف المعادية فرصاً لإعادة ترتيب صفوفها ومحاولة استغلال الظروف القائمة لتحقيق مكاسب ميدانية جديدة، الأمر الذي يضع المنطقة أمام احتمالات أكثر تعقيداً تتجاوز حدود التأثير المحلي إلى أبعاد إقليمية ودولية ترتبط بأمن الممرات البحرية وخطوط التجارة العالمية.
ويرى متابعون للشأن الجنوبي أن المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس قاسم الزُبيدي بات يمثل رقماً فاعلاً في المعادلة السياسية، في ظل حضوره في مختلف الملفات المتعلقة بمستقبل القضية الجنوبية، وهو ما جعل المجلس طرفاً رئيسياً في أي نقاشات أو ترتيبات مرتبطة بمستقبل المنطقة ومسارات التسوية السياسية.
كما تؤكد هذه القراءات أن حالة التماسك الشعبي التي أظهرها الجنوبيون خلال السنوات الماضية، إلى جانب ما حققته القوات الجنوبية من حضور ميداني، أسهمت في تعزيز قدرة الجنوب على مواجهة التحديات المتلاحقة والحفاظ على قدر من الاستقرار رغم الظروف الاقتصادية والخدمية الصعبة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الجنوب أمام مرحلة تتطلب قدراً كبيراً من التكاتف الوطني وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، مع التركيز على حماية المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية وتعزيز قدرة المؤسسات على أداء مهامها بما يحقق تطلعات المواطنين ويعزز فرص الاستقرار والتنمية.
وتجمع كثير من الآراء الجنوبية على أن المستقبل مرهون بمدى قدرة القوى الوطنية على الحفاظ على وحدة الصف وتعزيز الشراكة المجتمعية والسياسية، باعتبار ذلك الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات الراهنة وصون مصالح الجنوب واستقراره خلال المرحلة المقبلة.

