لم تكن الفعاليات الوطنية في العاصمة عدن ومدينتي المكلا وسيئون مؤخرا مجرد لغة عابرة وانما هو التعبير عن موقف سياسي ، و مشهد وطني استثنائي أعاد التأكيد على حجم الحضور الشعبي للقضية الجنوبية، وعلى قوة الالتفاف الجماهيري حول المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته السياسية ممثلة بالرئيس عيدروس قاسم الزُبيدي، في واحدة من أكبر الفعاليات الجماهيرية التي شهدتها مدن الجنوب خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ انطلاق الحشود من كل مدن وقرى الجنوب ، بدا واضحا أن الرسالة التي أراد الجنوبيون إيصالها تتجاوز حدود الشعارات والهتافات، لتؤكد أن مشروع استعادة الدولة الجنوبية لا يزال حاضرا بقوة في وجدان الشارع، وأن محاولات الالتفاف على الإرادة الشعبية أو فرض معادلات سياسية لا تنسجم مع تطلعات أبناء الجنوب، لن تجد طريقها إلى النجاح مهما تعددت الأدوات والوسائل.
كما عكست المليونية التي رفعت شعار “رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال” حالة متقدمة من التلاحم الشعبي والسياسي، حيث احتشدت الجماهير من مختلف الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية لتؤكد تمسكها بخيار التحرر الوطني، ورفضها القاطع لأي مشاريع تستهدف تقويض المكتسبات التي تحققت بفضل التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء الجنوب على مدى سنوات طويلة من النضال والمقاومة.
وفي الوقت الذي حاولت فيه بعض الأطراف المعادية تصوير الأزمة التي يعيشها المواطن الجنوبي باعتبارها أزمة داخلية معزولة عن السياق السياسي العام، جاءت الحشود لتؤكد أن ما يتعرض له الجنوب من أزمات خدمية واقتصادية متراكمة لا يمكن فصله عن الصراع الدائر حول مستقبل القضية الجنوبية، وأن سياسة إنهاك المواطنين عبر تدهور الخدمات الأساسية وغياب الحلول الجذرية تمثل جزءًا من منظومة ضغوط تستهدف كسر إرادة الشارع الجنوبي وإضعاف حاضنته الوطنية.
وأكد المشاركون أن معركة الجنوب اليوم لم تعد مقتصرة على الجوانب العسكرية أو السياسية فحسب، بل أصبحت معركة صمود يومي يخوضها المواطن في مواجهة أزمات متلاحقة تمس حياته ومعيشته، بدءًا من الكهرباء والمياه وصولًا إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية، مشددين على أن تلك المعاناة لم تنجح في إضعاف القناعة الشعبية بعدالة القضية الجنوبية، بل زادت من مستوى الالتفاف حول مشروع الاستقلال واستعادة الدولة.
كما برزت القوات المسلحة الجنوبية خلال الفعالية بوصفها إحدى الركائز الأساسية للمشروع الوطني الجنوبي، حيث شددت الجماهير على أن هذه القوات تمثل ثمرة سنوات من التضحيات والكفاح، وأنها لعبت دورًا محوريا في حماية الأرض وتأمين المدن الجنوبية والتصدي للتنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة، الأمر الذي جعلها تحظى بمكانة راسخة داخل الوجدان الشعبي الجنوبي.
كما حملت المليونية رسائل سياسية واضحة تجاه الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف اليمني، مفادها أن الجنوب لم يعد يقبل أن يكون مجرد ورقة تفاوض أو ساحة لتصفية الحسابات السياسية، وأن أي مقاربات مستقبلية تتجاهل الإرادة الشعبية الجنوبية أو تحاول تجاوز التمثيل السياسي الذي أفرزته الجماهير على الأرض، ستكون محكومة بالفشل ولن تحقق الاستقرار المنشود.
وفي سياق متصل، عبّر المشاركون عن رفضهم الشديد لأي ترتيبات أو تفاهمات سياسية يمكن أن تمس حقوق أسر الشهداء أو تتجاوز التضحيات التي قدمها القادة العسكريون والأمنيون الذين سقطوا دفاعا عن الجنوب.
وأكدوا أن دماء الشهداء تمثل قيمة وطنية عليا لا يمكن أن تكون محل مساومة أو جزءا من صفقات سياسية ليس لها صفة ان تكون وصية على شعب الجنوب مهما كانت مبرراتها.
وشكل الحضور الجماهيري الكبير في العاصمة عدن والمكلا وسيئون رسالة جديدة تعكس حجم التحول الذي شهدته القضية الجنوبية خلال السنوات الماضية، إذ لم تعد مجرد مطلب سياسي تتبناه نخبة محدودة، بل تحولت إلى مشروع وطني واسع يمتلك قاعدة شعبية ممتدة في مختلف محافظات الجنوب ويستند إلى حالة متنامية من الوعي السياسي والتمسك بالهوية الوطنية الجنوبية.
ويرى محللون وسياسيون عربيين أن مشهد الزخم الثوري أعاد رسم صورة الواقع السياسي في الجنوب بصورة أكثر وضوحا، ومؤكدين أن المجلس الانتقالي الجنوبي لا يزال يحتفظ بثقله الشعبي وقدرته على الحشد والتأثير، وأن الرئيس عيدروس الزُبيدي ما زال يمثل بالنسبة لقطاع واسع من الجنوبيين عنوانًا للمرحلة السياسية المقبلة وقائدا للمشروع الوطني الذي يسعى إلى استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
ومع إسدال الستار على فعاليات المليونية، بقيت الرسالة الأبرز التي خرجت من ميادين الجنوب واضحة لا لبس فيها: لا تراجع عن خيار استعادة الدولة، ولا قبول بأي شكل من أشكال الوصاية أو الهيمنة، وأن الإرادة الشعبية التي صنعت التحولات الكبرى في الجنوب خلال السنوات الماضية لا تزال حاضرة وقادرة على فرض نفسها في معادلات الحاضر والمستقبل.
وبين هدير الجماهير وأعلام الجنوب التي غطت الساحات، حيث مثل هذا المشهد استفتاء شعبي مفتوح يؤكد أن القضية الجنوبية ما زالت في صدارة أولويات أبناء الجنوب، وأن مسار النضال الوطني مستمر حتى تحقيق الأهداف التي خرجت من أجلها الجماهير، وفي مقدمتها بناء دولة جنوبية فيدرالية مستقلة، تحفظ السيادة وتصون الكرامة الوطنية وتؤسس لمستقبل أكثر استقرارا وازدهارًا للأجيال القادمة.

