شهدت مديريات العاصمة عدن، يوم الأحد 12 يوليو 2026، مسيرات شعبية دعا إليها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، وشملت مديريات صيرة، والمعلا، والتواهي، وخور مكسر، والمنصورة، والشيخ عثمان، ودار سعد، والبريقة، في تحرك متزامن مع فعاليات أُقيمت في عدد من محافظات الجنوب.

وجابت المسيرات شوارع المديريات الرئيسية، حيث رفع المشاركون الأعلام واللافتات وصور الشهداء ورددوا الهتافات المعبرة عن مواقفهم من التطورات السياسية الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بملف تبادل الأسرى، إلى جانب المطالبة بحماية المكتسبات السياسية والوطنية. وجاءت هذه التحركات بعد أيام من تصاعد الجدل بشأن صفقة تبادل الأسرى، وما أثير حولها من نقاشات سياسية وإعلامية.

_ توقيت يحمل رسائل متعددة

يأتي تنظيم هذه المسيرات في مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل حساسية في المشهد الجنوبي، في ظل استمرار تعثر مسار التسوية السياسية، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والخدمية، واستمرار حالة الاستقطاب بين القوى الفاعلة.

ويشير توقيت الفعاليات إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي يسعى إلى إبراز حضوره الجماهيري وإظهار قدرته على الحشد الشعبي، بالتزامن مع ملفات سياسية تشهد تفاعلاً واسعاً، وفي مقدمتها ملف الأسرى، الذي تحول خلال الأيام الماضية إلى محور للنقاش السياسي والإعلامي.

كما تعكس المسيرات محاولة لربط التحرك الشعبي بالمسار السياسي، وإيصال رسالة مفادها أن الشارع يمثل أحد عناصر التأثير في القضايا الوطنية، وأن التطورات الجارية تستوجب، مواقف شعبية موازية للمواقف السياسية.

_ بيان سياسي يحدد ملامح المرحلة

تزامناً مع المسيرات، أصدرت الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بالعاصمة عدن بياناً سياسياً حددت فيه رؤيتها للمرحلة الراهنة، واعتبرت أن تدشين برنامج التصعيد الشعبي يأتي في إطار التعبير عن موقفها من التطورات السياسية.

وتضمن البيان عدداً من النقاط الرئيسية، أبرزها التأكيد على دعم قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي برئاسة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي، فهي الجهة المخولة بإدارة المرحلة المقبلة.

كما أعلن البيان رفض التدخلات الخارجية، وانتقد صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، موضحاً أنها شملت أشخاصاً متهمين أو مدانين في قضايا إرهاب وقتل.

وأكد البيان كذلك أن برنامج التصعيد الشعبي لن يقتصر على المسيرات التي شهدتها العاصمة عدن، بل يمثل بداية لتحركات أخرى، مع التشديد على أن الفعاليات ستكون سلمية، والدعوة إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار.

_ صفقة الأسرى في قلب المشهد

برز ملف تبادل الأسرى بوصفه القضية الأكثر حضوراً في شعارات المشاركين وفي مضامين البيان السياسي. ويرى المجلس الانتقالي الجنوبي العربي أن هذه القضية تجاوزت إطارها الإنساني لتصبح، قضية ذات أبعاد سياسية وقانونية وأخلاقية، خصوصاً فيما يتعلق بالأشخاص المتورطين في قضايا إرهاب وقتل.

وفي المقابل، يظل ملف تبادل الأسرى من أكثر الملفات تعقيداً في النزاع، إذ تتداخل فيه الاعتبارات الإنسانية والسياسية والقانونية، وغالباً ما تثير كل عملية تبادل نقاشاً واسعاً بين مختلف الأطراف حول معايير الاختيار وحدود التسويات الممكنة.

_ قراءة في دلالات الحشد

سياسياً، تعكس المسيرات استمرار اعتماد القوى السياسية على الشارع كوسيلة لإبراز مواقفها، وإظهار حجم التأييد الذي تحظى به. وفي حالة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، فإن تنظيم فعاليات متزامنة في أكثر من مديرية يحمل دلالة على سعيه إلى إظهار قدرته التنظيمية وحشد أنصاره في توقيت سياسي حساس.

ويرى متابعون أن مثل هذه الفعاليات لا تستهدف الجمهور المحلي فقط، بل تحمل أيضاً رسائل إلى الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الجنوبي واليمني، مفادها أن أي تسويات سياسية لن تكون بمنأى عن مواقف القوى المحلية وقواعدها الشعبية.

_ البعد الشعبي والسياسي

اتسمت المسيرات بحضور لافت من أبناء الجنوب، وشارك معهم عدد من أسر الشهداء والجرحى. ويعكس هذا الحضور، بالنسبة للمجلس، أهمية إشراك القواعد الشعبية في التعبير عن المواقف السياسية، بينما يرى مراقبون أن استمرار الفعاليات الجماهيرية يعكس حالة التفاعل بين الشارع الجنوبي والتطورات السياسية.

وفي الوقت ذاته، فإن أي تحركات شعبية في العاصمة عدن ترتبط أيضاً بالسياق الاقتصادي والخدمي الذي تعيشه العاصمة عدن، حيث تتداخل المطالب السياسية مع التحديات اليومية التي يواجهها المواطنون.

_ بين التصعيد والحوار

يثير الإعلان عن برنامج للتصعيد الشعبي تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت التحركات ستظل في إطار الفعاليات الجماهيرية السلمية، أم ستتطور إلى أشكال أخرى من الضغط السياسي.

ويؤكد بيان المجلس الانتقالي الجنوبي العربي أن الفعاليات ستكون سلمية، في حين تبقى كيفية تفاعل بقية الأطراف مع هذه التحركات عاملاً مؤثراً في رسم مسار المرحلة المقبلة، خاصة في ظل استمرار حالة التعقيد التي تميز المشهد الجنوبي.

_ المشهد السياسي أمام اختبار جديد

تكشف مسيرات اليوم أن المشهد في العاصمة عدن لا يزال يشهد حراكاً سياسياً متواصلاً، وأن القضايا المرتبطة بملف الأسرى، ومستقبل العملية السياسية، والعلاقة بين القوى المحلية والأطراف الإقليمية، ما زالت تمثل محاور رئيسية للنقاش العام.

كما تعكس الفعاليات استمرار تمسك المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بمواقفه المعلنة، وسعيه إلى التعبير عنها عبر الوسائل الجماهيرية، في مقابل استمرار التباين بين القوى السياسية بشأن عدد من الملفات الجوهرية.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة احتمالات، تتراوح بين استمرار التصعيد السياسي والشعبي، أو العودة إلى مسارات الحوار والتفاوض، وهو ما سيعتمد إلى حد كبير على تطورات الملف السياسي الجنوبي واليمني، وطبيعة التفاهمات التي قد تنشأ بين الأطراف المختلفة.

_ محطة جديدة

تمثل مسيرات اليوم في مديريات العاصمة عدن محطة جديدة في مسار التفاعلات السياسية التي تشهدها الساحة الجنوبية. وبغض النظر عن تباين المواقف تجاه أهدافها ورسائلها، فإنها تعكس استمرار حضور الشارع الجنوبي كفاعل مؤثر في المشهد السياسي، وتؤكد أن الملفات الخلافية، وفي مقدمتها قضية تبادل الأسرى، لا تزال قادرة على تحريك الرأي العام وإعادة تشكيل أولويات النقاش السياسي.

ومع استمرار حالة التعقيد التي تمر بها البلاد، ستظل مثل هذه التحركات مؤشراً على طبيعة المزاج السياسي، ومدى قدرة القوى المختلفة على الحشد الشعبي والتأثير في مجريات الأحداث، في انتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من تطورات على المستويين السياسي والميداني.

شاركها.