كتب/ د. ياسر باحاج

خرجت التصريحات الأخيرة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، لتكشف بوضوح عن استمرار ذات العقلية السياسية التي أنتجت أزمة البلاد وصنعت مآسيه.
عندما يختزل العليمي القضية الجنوبية في بضعة سطور تتحدث عن “معالجة المظالم” وتوفير “الحقوق والوظائف والتعويضات”، فهو لا يقدم حلولاً، بل يمارس هروباً ممنهجاً من مواجهة الواقع الجيوسياسي على الأرض.
يا عليمي، إن القضية الجنوبية قضية دولة وسيادة، وليست مجرد ملف حقوقي أو تظلم إداري يبحث عن تسويات مالية وإدارية.
لقد جرب شعب الجنوب مشروع الوحدة لأكثر من ثلاثين عاماً؛ لم يدم منها كـ”مشروع شراكة” سوى ثلاثة أعوام خديجة، قبل أن تنقض عليها قوى الشمال وتحولها بعد حرب صيف 1994 الظالمة إلى احتلال مكتمل الأركان. خلال هذه العقود الثلاثة، تيقن الجنوبيون كل اليقين، أن تطلعاتهم نحو بناء دولة حديثة اصطدمت بواقع شمالي مرير لا يعرف الدولة بمفهومها المؤسسي الصحيح.
لقد وجد الجنوب نفسه أمام مجاميع بشرية ونخب تقليدية، يمثل فيها كل “شيخ قبيلة” نموذجاً مصغراً لدولة عميقة داخل الدولة، حيث الولاء للمشيخة والعصبية يتقدم على ولاء القانون والمواطنة.
إن محاولات القوى والنخب الشمالية المستمرة لـتمييع القضية الجنوبية وتجريدها من أبعادها السياسية والوطنية هي مناورة قديمة يتوارثها الساسة في صنعاء.
الجنوب لم يدخل مشروع الوحدة عام 1990 كطرف تابع أو إقليم يبحث عن تحسين شروط العيش، بل دخل كدولة كاملة السيادة، برئيسها، وجيشها، ومؤسساتها المدنية، وعاصمتها التاريخية عدن. هذا الإرث المدني والمؤسساتي تم تجريفه لصالح منظومة الإقطاع القبلي والعسكري الشمالي الذي تعامل مع الجنوب كغنيمة حرب.
عندما يختصر الخطاب الرسمي تطلعات شعب الجنوب في قضايا حقوقية، فإنه يتجاهل عامداً الإرادة الشعبية الصلبة التي تبلورت في ساحات الحراك السلمي والميادين القتالية.
إن شعب الجنوب الذي قدم قوافل من الشهداء لا يطلب “منحة” أو “مكرمة” من سلطة يعلم الجميع مكامن ضعفها، بل يطالب بحقه الشرعي والتاريخي في استعادة دولته كاملة السيادة على حدود ما قبل 22 مايو 1990.
إن الرهان على سياسة الأمر الواقع أو الالتفاف على جوهر القضية الجنوبية من خلال خطابات التهدئة وحصر الأزمة في مربع “الحقوق والمظالم” لن ينتج سلاماً مستداماً.
على مجلس القيادة الرئاسي والمنظومة الإقليمية والدولية الاستيعاب بأن شعب الجنوب الذي رفض التبعية لمنظومة الشيخ والقبيلة هو الرقم الأصعب في أي معادلة سياسية قادمة، وأن أي محاولة لتجاوز مطالبه الوطنية في تقرير مصيره واستعادة دولته ستكون مجرد حبر على ورق.

شاركها.