العاصفة نيوز /العاصمة عدن
في قراءة نقدية لافتة، يتناول الدكتور فؤاد علي ناصر الحاج ظاهرة «تجارة التاريخ» وتزييف الذاكرة الجمعية، متوقفًا عند الطريقة التي تُكتب بها بعض المواقف والوقائع بـ«الحبر الأحمر»، بينما تُمحى مواقف وحقائق أخرى بـ«الحبر الأبيض»، في صورة يرى أنها تعكس محاولة لإعادة تشكيل الوعي وفق مصالح السلطة والقوة والجهات المهيمنة.
ويطرح الحاج تساؤلًا جوهريًا حول من يكتب التاريخ ومن يملك القدرة على التأثير في روايته، قائلًا إن القضية لم تعد تقتصر على سؤال «من يكتب التاريخ؟»، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر خطورة: «من يشتريه؟ وكم يدفع؟»
الحبر الأحمر.. صناعة الأبطال:
يرى الكاتب أن «الحبر الأحمر» يرمز إلى الدم والبطولة والانتصار، لكنه قد يتحول في الوقت ذاته إلى أداة لتلميع شخصيات وصناعة بطولات مصطنعة، حين تُمنح بعض الشخصيات أدوارًا تاريخية أكبر من حجمها الحقيقي، بينما تُهمَّش أدوار آخرين أو تُطمس.
وفي سياق حديثه عن التاريخ السياسي للجنوب، يشير الحاج إلى أن بعض الخطابات السياسية والأيديولوجية استُخدمت لتبرير الصراعات والحروب، مستشهدًا بما يصفه بخطاب «إزالة الشيوعيين» وتوظيف الخطاب الديني والسياسي في الصراع الذي سبق حرب 1994م وما أعقبها.
كما يتوقف عند مرحلة ما بعد ثورة 14 أكتوبر 1963م والاستقلال في 30 نوفمبر 1967م، معتبرًا أن مراحل لاحقة شهدت إعادة تقديم بعض الشخصيات والأحداث التاريخية وفق روايات انتقائية، بما أدى، بحسب رأيه، إلى تلميع مواقف وشخصيات، مقابل تهميش أو إغفال أخرى.
الحبر الأبيض.. محو الذاكرة:
ويصف الحاج «الحبر الأبيض» بأنه أكثر خطورة من الحبر الأحمر، لأنه لا يكتب بقدر ما يمحو، معتبرًا أن محو الوثائق والوقائع والأسماء من الذاكرة العامة يمثل شكلًا من أشكال السيطرة على التاريخ.
ويربط الكاتب هذا المفهوم بما طرحه جورج أورويل في روايته «1984» بشأن «حفرة الذاكرة»، التي تبتلع الوثائق غير المرغوب فيها، مشيرًا إلى أن وسائل المحو لم تعد بحاجة إلى حرق الكتب وإتلاف الوثائق، إذ يمكن أن تتم اليوم بوسائل رقمية، من خلال حذف المعلومات أو تغيير المناهج أو إعادة صياغة الروايات التاريخية.
ويؤكد أن المتاحف والمناهج والوثائق الوطنية يفترض أن تكون أدوات لحفظ تاريخ الشعوب، لا وسائل لانتقاء الذاكرة أو إعادة تشكيلها بما يخدم رواية واحدة.
الذاكرة الرقمية.. المزاد الجديد:
وفي محور آخر، يناقش الحاج تأثير التكنولوجيا والفضاء الرقمي في صناعة الذاكرة الحديثة، مشيرًا إلى أن عملية إعادة تشكيل التاريخ لم تعد مرتبطة بالكتب الورقية وحدها، بل أصبحت تتم كذلك عبر المحتوى الرقمي والخوارزميات ومحركات البحث والأدوات الذكية.
ويرى أن الذاكرة الرقمية ليست بالضرورة محايدة، إذ يمكن أن تعكس التحيزات الموجودة في مصادر البيانات، الأمر الذي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج روايات ناقصة أو منحازة، خصوصًا عندما تكون بعض الأصوات التاريخية أقل حضورًا في المصادر المتاحة.
الكتب المدرسية.. مصنع الأجيال:
ويولي الكاتب أهمية خاصة للمناهج الدراسية، باعتبارها الوسيلة الأكثر تأثيرًا في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، محذرًا من خطورة تقديم الأحداث التاريخية للأطفال من زاوية واحدة أو وفق رواية سياسية محددة.
وفي هذا السياق، ينتقد ما يصفه بإعادة تقديم حرب 1994م في بعض المناهج والخطابات التعليمية بوصفها «حربًا مقدسة» أو «فتحًا»، بدلًا من تناولها باعتبارها حدثًا سياسيًا وعسكريًا ترك آثارًا عميقة على المجتمع اليمني، وبما يستدعي دراسة أسبابها ونتائجها وآثارها بصورة موضوعية.
ويحذر الحاج من أن الطفل الذي يتلقى رواية تاريخية مشوهة اليوم، قد يصبح غدًا مسؤولًا في القضاء أو الإعلام أو السياسة، وهو يحمل تصورات تشكلت على أساس تلك الرواية.
من يملك الحبر؟
ويخلص الكاتب إلى أن التاريخ ليس نصًا ثابتًا يُكتب مرة واحدة، بل إن روايته قد تتعرض لإعادة الصياغة كلما تغيرت موازين السلطة والقوة.
ويقول إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود «مزاد علني للتاريخ»، وإنما في أن يتحول الجمهور نفسه إلى طرف في هذا المزاد دون أن يدرك أنه المستهدف بإعادة تشكيل وعيه وذاكرته.
ومن هنا يطرح الحاج السؤال المركزي: «هل أنا أقرأ التاريخ، أم أقرأ سعره؟»
ويؤكد أن مواجهة تزييف التاريخ لا تكون باستبدال رواية منحازة بأخرى، وإنما بالعودة إلى الوثائق والشهادات والمصادر المتعددة، وإتاحة المجال أمام القراءة النقدية التي تميز بين الحقيقة والدعاية، وبين التوثيق والتوظيف السياسي.
ويختتم الحاج مقاله بالتأكيد على أن التاريخ ليس ملكًا لأحد، وأن الذاكرة ليست بضاعة للبيع، داعيًا إلى حماية الذاكرة الجمعية من التزييف والمحو، وصون حق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها كما حدث، لا كما أراد الآخرون أن يُكتب.
