‏إن استقلال القضاء وحياده يمثلان ركيزة أساسية لسيادة القانون، وضمانة جوهرية لحماية الحقوق والحريات، وشرطاً أساسياً لبناء نظام عدلي يحظى بثقة المجتمع.

‏ومن هذا المنطلق، فإنني أعبّر عن بالغ قلقي إزاء المؤشرات والمتغيرات التي من شأنها المساس باستقلالية السلطة القضائية، وأؤكد رفضي القاطع لأي محاولات تستهدف تحويل القضاء إلى أداة في النزاعات السياسية، أو وسيلة لتصفية الحسابات وإقصاء الخصوم.

‏إن حماية القضاء تقتضي تحصينه من أي تأثيرات سياسية أو مالية أو خارجية، ومعالجة الأوضاع الاستثنائية التي قد تؤثر على استقلال قراره وأداء مؤسساته، بما في ذلك ما يرتبط بممارسة بعض القيادات القضائية لمهامها من خارج البلاد، أو تلقي ترتيبات مالية مباشرة من جهات خارجية.

‏وأؤكد أن هذا الموقف لا يستهدف المؤسسة القضائية، ولا يمثل تشكيكاً في نزاهة القضاة، وإنما هو دفاع عن حق القاضي في ممارسة رسالته بحرية وتجرد واستقلال، وعن ضرورة توفير البيئة المؤسسية والحماية القانونية التي تصون هيبة العدالة وتضمن استقلالها الكامل.

‏وفي هذا السياق، أؤكد أن قضية شعب الجنوب هي قضية سياسية وحقوقية بامتياز، ولا يمكن اختزالها في أطر أمنية أو أحكام وإجراءات قضائية، كما أن محاولات توظيف مؤسسات الدولة أو فرض خيارات قسرية لن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتعقيد فرص الوصول إلى حلول عادلة ومستدامة.

‏واستناداً إلى المرجعيات والتفاهمات السياسية المعلنة، وفي مقدمتها اتفاق الرياض ومشاورات الرياض وإعلان نقل السلطة، فإن معالجة جذور الصراع وبناء السلام والاستقرار المستدامين لا يمكن أن يتحققا إلا عبر حوار سياسي جاد، واحترام حق شعب الجنوب في تقرير مصيره وتحديد مستقبله السياسي وفق إرادته الحرة.

‏وعليه، فإنني أدعو المجتمع الدولي، ومجلس حقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، إلى إجراء تقييم مستقل وموضوعي لواقع القضاء، ومدى توافق ممارساته وإجراءاته مع المعايير الدولية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية وضمانات العدالة.

‏كما أدعو إلى تحييد مؤسسات الدولة كافة عن الصراعات السياسية، وإزالة أي تأثير سياسي أو مالي على السلطة القضائية، ومراجعة الإجراءات المترتبة على الظروف الاستثنائية، بما يضمن عودة القضاء إلى ممارسة اختصاصاته باستقلال وتجرد تام، بعيداً عن أطراف الصراع والتجاذبات السياسية.

‏وأجدد التأكيد على أن العدالة لا تكون انتقائية، والقضاء لا ينبغي أن يكون طرفاً في أي صراع سياسي، وأن الطريق الوحيد نحو سلام عادل ومستدام يبدأ بالتعاطي مع قضية شعب الجنوب من بوابتها السياسية الصحيحة، القائمة على الحوار والشراكة واحترام الإرادة الشعبية الحرة.
‏والله الموفق

//وضاح نصر عبيد الحالمي
‏عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي
‏الأمين العام للأمانة العامة

شاركها.